Markaz App

جامعة رمضان 2013 – درس 1

UR 2013 - Cours 1

1

إِنَّهُ لَا يُذْكَرُ ذَلِكَ الْمِيرَاثُ الْغَيْبِيُّ — الَّذِي وَجَدْنَا سُبْحَانَهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الْوَارِثُ الْحَقِيقِيُّ — لَا يُذْكَرُ ذَلِكَ الْمِيرَاثُ إِلَّا وَيُذْكَرُ قَبْلَهُ جُذُورُهُ الْغَيْبِيَّةُ. وَهَذَا انْطِلَاقًا مِنْ سُنَّةِ فَتْقِ الرَّتْقِ: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾[الْأَنْبِيَاء، 30] .

2

إِنَّ السَّمَاوَاتِ يَعْنِي النُّبُوَّاتِ وَالْأَرْضَ يَعْنِي الْوِلَايَاتِ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا. إِنَّ السَّمَاوَاتِ يَعْنِي الرِّسَالَاتِ وَالْأَرْضَ يَعْنِي الْخِلَافَاتِ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا. إِنَّ السَّمَاوَاتِ يَعْنِي الْحَقَائِقَ الْبَاطِنَةَ وَالْأَرْضَ يَعْنِي الْحَقَائِقَ الظَّاهِرَةَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا.

3

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾[الْأَنْبِيَاء، 30] . وَالْمَاءُ هُنَا هُوَ الْحَقِيقَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَهْدُ الْأَوَّلُ أَوْ كَانَ الْعَهْدُ الْأَخِيرُ. ذَلِكَ أَنَّ السَّمَاوَاتِ عِنْدَ الْحَقِيقِيِّينَ هُنَا وَكَذَلِكَ الْأَرْضَ لَا تَعْنِي هَذَا السَّقْفَ الْمَرْفُوعَ وَلَا الْمِهَادَ الْمَبْسُوطَ، وَإِنَّمَا السَّمَاوَاتُ هِيَ الْخَلَائِفُ الْإِنْسَانِيَّةُ: نُبُوَّةً وَوِلَايَةً، رِسَالَةً وَخِلَافَةً. وَالَّتِي وَجَدْنَا الْحَقِيقَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ هِيَ الْمَاءُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾[الْأَنْبِيَاء، 30]

4

كُنَّكْ ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾[الْبَقَرَة، 60] ، سَوَاءٍ كَانَ مِنَ الْمُلْكِيَّاتِ أَوْ كَانَ مِنَ الْمِلْكِيَّاتِ أَوْ كَانَ مِنَ الْمَلَكُوتِيَّاتِ. وَهَكَذَا يَبْعَثُ اللهُ فِي كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا أَمْرَ دِينِهَا. مَا يُصَدِّقُ أَنَّ جُمُعَةَ الْأَيَّامِ غَيْرُ جُمُعَةِ الْأَزْمَانِ وَالْعُصُورِ. ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾[الْبَقَرَة، 106] ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ نَسْخَ رَفْعٍ وَإِنَّمَا هِيَ نَسْخُ جَمْعٍ.

5

فَكَانَ الزَّمَنُ الْعِيسَوِيُّ خَطَّ الِاسْتِوَاءِ، فِيهِ خُتِمَتِ الدَّوْرَةُ الْآدَمِيَّةُ وَالزَّمَانُ الدُّنْيَوِيَّةُ، وَفُتِحَتْ مَعَ الزَّمَنِ الْمُحَمَّدِيِّ الدَّوْرَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ وَالزَّمَانُ الْأُخْرَوِيَّةُ. إِنَّهَا هِيَ الْبَاءُ، وَإِنَّهَا هِيَ السِّينُ، وَإِنَّهَا هِيَ الْمِيمُ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ. فَكَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ نُورُ الْأَكْوَانِ الْمُتَكَوِّنَةِ الْآدَمِيِّ وَكَانَ أَيْضًا هُوَ الْفَاتِحَ لِمَا أُغْلِقَ وَالْخَاتِمَ لِمَا سَبَقَ.

6

وَإِذَا كَانَتْ أَيَّامُ الْأُسْبُوعِ تَنْتَهِي بِجُمُعَةٍ مِنَ الْجُمُعَاتِ، فَإِنَّ جُمُعَةَ الْعُصُورِ وَالْأَزْمِنَةِ لَا تَنْتَهِي إِلَّا فِي سَبْعٍ مِنْ تِلْكَ الْمَثَانِي. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾[الْحِجْر، 87] . فِي هَذَا الْقُرْآنِ جَاءَ ذِكْرُ الْجُمُعَةِ الْخَاتِمَةِ، وَهُوَ ذَلِكَ الْعَصْرُ الَّذِي بِهِ يَخْتِمُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ: إِنْ حَقًّا فَحَقٌّ، وَإِنْ شَكًّا فَشَكٌّ.

7

﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[الْعَصْر، 1-3] . فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ يَكُونُ يَوْمُ الْفُرْقَانِ. ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[الْقَصَص، 85] . تِلْكَ هِيَ الْقِيَامَةُ الْأُولَى قَبْلَ الْقِيَامَةِ الْأُخْرَى. ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾[الْأَنْعَام، 139] .

8

فِي هَذَا الْوَصْفِ جَاءَ الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ وَكَأَنَّهُ تَفَاعُلٌ تَسَلْسُلِيٌّ انْطَلَقَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ حَتَّى شَمِلَ مَلَكُوتَ السَّمَاءِ: ”حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَقُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ“. إِنَّهَا طَاقَاتٌ ثَلَاثَةٌ. فَالطَّاقَةُ الْأُولَى** هِيَ الصَّلَاةُ، وَهِيَ قُرَّةُ عَيْنِ الرَّسُولِ. وَالطَّاقَةُ الثَّانِيَةُ** الطِّيبُ. وَالطَّاقَةُ الثَّالِثَةُ هِيَ النِّسَاءُ. فَالطَّاقَةُ الْأُولَى يَعْنِي الصَّلَاةَ يَحْمِلُهَا اسْمُ اللهِ فِي الْبَسْمَلَةِ. وَالطَّاقَةُ الثَّانِيَةُ الطِّيبُ يَحْمِلُهَا اسْمُ الرَّحْمَنِ فِي الْبَسْمَلَةِ. وَالطَّاقَةُ الثَّالِثَةُ يَعْنِي النِّسَاءَ يَحْمِلُهَا فِي الْبَسْمَلَةِ اسْمُ الرَّحِيمِ.

9

لِذَلِكَ، إِذَا كَانَتْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ أُمَّ الْكِتَابِ، فَمُحَمَّدٌ هُوَ أُمُّ كِتَابِ الْوُجُودِ. وَهَكَذَا حِينَ نَطَقَ مَنْ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى: ”حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ...“ هَزَّتِ الْكَلِمَاتُ خَوَاطِرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ عَلَيْهِمْ رِضْوَانُ اللهِ ثُمَّ جَاءَ جِبْرِيلُ مِنْ بَعْدِهِمْ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِاسْمِهِ، وَمَرَّةً بِاسْمِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

10

وَهَكَذَا انْطَلَقَتْ نَفْسُ مُحَمَّدٍ الْمُطْمَئِنَّةُ وَهِيَ فِي حَادِثِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ اِنْطَلَقَتْ تِلْكَ النَّفْسُ بِصِفَةٍ وَكَأَنَّهَا تُرَافِقُ شَخْصِيَّةَ الرَّسُولِ جَنْبًا عَلَى جَنْبٍ. لَكِنَّهَا زِيَارَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ تُرِيدُ أَنْ تَرَى أَيْضًا مِنْ آيَاتِ رَبِّهَا الْكُبْرَى. لُولُوتَخْ بِآدَمٍ مَرَّ عِيسَى يُوسُفٍ وَخَنُوخٍ ثُمَّ هَارُونَ مُوسَى وَالْأَبِ الرَّحِمِ هَؤُلَاءِ هُمُ الْأَسَاتِذَةُ لِتِلْكَ الْمَدْرَسَةِ، وَالَّتِي وَجَدْنَا السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ فُصُولَهَا.

11

فَالْأُولَى هِيَ مَدْرَسَةُ الْوِزَارَةِ يَعْنِي السَّمَاءَ الْأُولَى فَصْلُ الْوِزَارَةِ، يَعْنِي الْإِدَارَاتِ وَالْحُكُومَاتِ. وَالسَّمَاءُ الثَّانِيَةُ فَصْلُ الْكِتَابَاتِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ. وَمِنْ هُنَا يُخَاطِبُ الْمَوْلَى تِلْكَ النَّفْسَ وَيَقُولُ لَهَا: لَا تَقُلْ أَنَا وَحْدِي! ”انْدَخْ“ ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾[الْإِسْرَاء، 36] . وَلَئِنْ لَا تَشُوبُ نَفْسَهُ الطَّاهِرَةَ شَائِبَةُ الشَّكِّ، يُخَاطِبُهُ الْمَوْلَى مُطَمْئِنًا: ﴿إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾[الِانْفِطَار، 10-11] . وَهُوَ طَيِّبٌ لَا يَعْرِفُ إِلَّا الطَّيِّبَ مِنَ الْعَمَلِ، وَالطَّيِّبَاتُ إِذَنْ لِلطَّيِّبِينَ، وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ.

12

وَفِي السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ كَانَ فَصْلُ الشَّهَادَةِ. وَمِنْ هَذَا الْفَصْلِ وَأُسْتَاذُهُ الْحَكِيمُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾[يُوسُف، 55] . فَلَمْ يَشْهَدْ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِنَّمَا شَهِدَ هُوَ عَلَى نَفْسِهِ.

13

وَالسَّمَاءُ الرَّابِعَةُ سَمَاءُ الْإِمَارَةِ، إِمَارَةٌ لَيْسَ فِيهَا أَمِيرٌ وَأَمِيرٌ، وَلَكِنْ أَمِيرٌ وَوَزِيرٌ. قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا! وَلَا تَقُولُوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا! وَالسَّمَاءُ الْخَامِسَةُ فَصْلُ الشُّرْطَةِ: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾[الْبَقَرَة، 247] . وَمَهْمَا يَكُنْ مِنْ قُوَّةٍ أَوْ مِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ: ﴿فَلَا عَاصِمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾[هُود، 43] .

14

وَالسَّمَاءُ السَّادِسَةُ سَمَاءُ الْقُضَاةِ، هَؤُلَاءِ الْقُضَاةُ، وَلِكُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ يَعْنِي وِجْهَةً هُوَ مُوَلِّيهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَنَاوَلُ تِلْكَ الْكَلِمَةَ الْمُقَدَّسَةَ: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾[ق، 29] . لَكِنْ بَعْدُ، مَاذَا يَقُولُ الرَّبُّ؟ ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾[ق، 29] .

15

وَالسَّمَاءُ السَّابِعَةُ سَمَاءُ الْغَايَةِ. لَا بُدَّ أَنْ نَعْلَمَ مَا هِيَ الْبِدَايَاتُ وَمَا هِيَ النِّهَايَاتُ. ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾[طه، 25-28] . هَذِهِ دِرَاسَةٌ ابْتِدَائِيَّةٌ. أَمَّا الْمُسْتَوَى الْعَالِي لِهَذِهِ الدِّرَاسَةِ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾[الشَّرْح، 1] . ”وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّي لِتَرْضَى“هَذَا مُسْتَوَى الِابْتِدَائِيِّ. أَمَّا الْمُسْتَوَى الْعَالِي: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾[الضُّحَى، 5] . ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾[الشُّعَرَاء، 82] هَذَا مُسْتَوَى الِابْتِدَائِيِّ. أَمَّا الْمُسْتَوَى الْعَالِي: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾[الْفَتْح، 2] . كُنَّكْ! ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[يس، 82-83] . وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.