جامعة رمضان 2012 – درس 2
UR 2012 - Cours 2
إِنَّهُ لَا يُذْكَرُ مِيرَاثُ السَّمَاءِ إِلَّا وَيُذْكَرُ مَعَهُ الْوَارِثُونَ. لَكِنَّ الْمِيرَاثَ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ هُوَ لِلْفَانِي وَلَيْسَ لِلْبَاقِي. ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾[الرَّحْمَن، 26-27] . وَآيَةٌ أُخْرَى: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾[الْحِجْر، 23] . فَالْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الْوَارِثُ الْحَقِيقِيُّ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾[مَرْيَم، 40] .
لَكِنَّ مِيرَاثَ السَّمَاءِ تُوجَدُ شَرْعِيَّتُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾[الرَّحْمَن، 26-27] . إِذًا، إِنَّ إِضَافَةَ كَلِمَةِ الْإِكْرَامِ عَلَى كَلِمَةِ الْجَلَالِ أَرَادَ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ أَسْمَاؤُهُ مُؤَثِّرَاتٍ تَظْهَرُ آثَارُهَا الْحُسْنَى عَلَى مَسِيرَةِ الْحَيَاةِ الْإِنْسِيَّةِ وَالْجِنِّيَّةِ. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذَّارِيَات، 56] . فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ الرَّبَّانِيَّةُ أَنْ تُلْحِقَ نَوَافِلَ التَّقْسِيمِ عَلَى فَرَائِضِ التَّحْكِيمِ. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾[فَاطِر، 10] .
وَالْكَلِمُ الطَّيِّبُ هُنَا هُوَ النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، وَالَّتِي سَبَقَ تَعْيِينُهَا كَعَامِلٍ مِنْ عُمَّالِ الْمَلَكُوتِ، لَهَا أَوْقَاتُ صُعُودٍ وَلَهَا أَجَلٌ مُسَمًّى لِلرُّجُوعِ. وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ مِنْهُ مَا هُوَ عَامٌّ وَمِنْهُ مَا هُوَ خَاصٌّ، ثُمَّ لَا يَكُونُ تَدْبِيرُ هَذَا أَوْ ذَاكَ إِلَّا فِي أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ. وَلِلنَّفْسِ غَيْرِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ مِنْ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ ﴿أَجْرُ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾[الْكَهْف، 30] ، ثُمَّ يُجْرِيهِ بَعْدَ ﴿الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾[النجم، 14] ، وَذَلِكَ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾[الْقَمَر، 55] .
وَيَكُونُ شُهُودُ الشُّهَدَاءِ إِمَّا شُهُودًا مُوسَوِيًّا أَوْ شُهُودًا مُحَمَّدِيًّا. لِذَا اِحْتَاجَ الْأَمْرُ إِلَى تَدْبِيرٍ، وَاحْتَاجَتِ الْآيَةُ إِلَى تَفْصِيلٍ. ذَلِكَ أَنَّ اسْمَ الرَّبِّ وَمَعَهُ مُسَاعِدَاهُ - الْمُدَبِّرُ وَالْمُفَصِّلُ - اجْتَمَعُوا اجْتِمَاعًا حَضَرَهُ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ، وَذَلِكَ كَيْمَا يَضَعُوا لِتِلْكَ الْآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذَّارِيَات، 56] - لِيَضَعُوا لَهَا بَرْنَامَجًا يَوْمِيًّا وَأُسْبُوعِيًّا وَشَهْرِيًّا وَسَنَوِيًّا.
وَلَمَّا وَجَدُوا لَامَ السَّبَبِيَّةِ فِي كَلِمَةِ ”لِيَعْبُدُونِي“ رَأَوْا أَنَّ الْأَمْرَ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ دُعَاءٍ يُقْرَأُ فِي كَلِمَتَيْ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[الْفَاتِحَة، 5] . فَوَضَعُوا الْحُدُودَ وَرَتَّبُوا الْمَرَاسِمَ تَحْتَ سِيَادَةِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، الَّذِي رَسَمَ حُكُومَةً بِخَمْسَةِ وُزَرَاءَ. وَهَذِهِ الْحُكُومَةُ هِيَ الْأَرْكَانُ الْخَمْسَةُ.
فَكَانَتْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ أُولَى الْمَرَاسِمِ، تَجَمَّعَتْ فِيهَا الْمُلْكِيَّةُ وَالْمِلْكِيَّةُ وَالْمَلَكُوتِيَّةُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مُنْطَوِيٌ عَلَى نَتَائِجِ ذَلِكَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ. فَكَانَ وَزِيرُ دَاخِلِيَّتِهَا الصَّلَاةَ، وَوَزِيرُ خَارِجِيَّتِهَا الْحَجَّ، وَوَزِيرُ الصِّحَّةِ فِيهَا الصِّيَامَ، وَوَزِيرُ الشُّؤُونِ الْمَالِيَّةِ الزَّكَاةَ. مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ الْوُزَرَاءِ يُوجَدُ حَلُّ الْمَشَاكِلِ دُنْيَاهَا وَأُخْرَاهَا
وَهَذَا بِشُرُوطِهَا الْمَشْرُوطَةِ، ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾[الْكَهْف، 78] . فَلَمْ يَكُنِ الْفِرَاقُ بَيْنَ مُوسَى وَالْخَضِرِ بِسَبَبِ إِصَابَةِ التِّلْمِيذِ مُعَلِّمَهُ جَهَالَةً، وَإِنَّمَا بِسَبَبِ إِزَالَتِهِ ذَلِكَ الشَّرْطَ: ﴿فَإِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾[الْكَهْف، 76] . وَالْأَعْذَارُ مُتَبَايِنَةٌ وَمُخْتَلِفَةٌ مِنْ حَيْثُ الدُّونِ وَمِنْ حَيْثُ الْأَعْلَى. ﴿وَاللهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾[الْأَنْبِيَاء، 23] .
فَاخْتَلَفَ الْأَمْرُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالرَّبِّ: فَاخْتَارَتِ الرُّبُوبِيَّةُ الْوُجُوبِيَّةَ، وَاخْتَارَتِ الْعُبُودِيَّةُ السَّبَبِيَّةَ، إِمَّا طَلَبًا أَوْ سُؤَالًا: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾[مَرْيَم، 4-6] .
وَلِمَاذَا ”يَرِثُنِي“؟ أَلَيْسَ هُوَ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ؟ وَلَكِنْ: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ. ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾[مَرْيَم، 6] . رَضِيًّا، رَضِيًّا، رَضِيًّا! إِلَى أَنْ تَرْجِعَ النَّفْسُ إِلَى حَظِيرَتِهَا الْأُولَى ﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾[الفجر، 28] .
وَسَوَاءٍ كَانَ ذَلِكَ الصُّعُودُ أَوْ كَانَ هَذَا الرُّجُوعُ، فَلِكُلٍّ صِرَاطُهُ الْمُسْتَقِيمُ. وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ طَرِيقٌ سَيَّارٌ، قَدْ يَزْدَحِمُ فِيهِ الْعُبَّادُ اِزْدِحَامَ السَّيَّارَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُنَاسِبَةِ. وَلَئِنْ كَانَ قُطَّاعُ الْفَيَافِي إِلَى الْعُلَا كَثِيرٌ، فَإِنَّ الْوَاصِلِينَ مِنْهُمْ قَلِيلٌ. وَالْوَاصِلُونَ هُمُ الَّذِينَ أَخَذُوا طَرِيقَ الْأَدَاءِ وَدَخَلُوا فِي عِبَادِهِ. كُنَّكْ ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾[الْفَجْر، 29] . فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَتْحًا مُبِينًا، وَيُحَاسَبُ لَهُمْ حِسَابًا يَسِيرًا.
كُنَّكْ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾[الْفَتْح، 1-3] .
قَوْمٌ عَاشُوا فِي جَنَّةِ الْأَرْضِ لَمَّا جَاوَرُوا الْحَقَّ وَالْحَقِيقَةَ فِيهَا وَذَلِكَ بِفَضْلِ تِلْكَ الْمَعِيَّةِ، وَهُوَ مَعَكُمْ دَائِمًا أَبَدًا. ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ﴾[الْحَدِيد، 4] . إِمَّا مَعِيَّةٌ مَعَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾[الْفَاتِحَة، 6] ، أَوْ مَعِيَّةٌ مَعَ: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾[الْفَتْح، 2] . وَقَدْ تَوَحَّدَتْ هَاتَانِ الْمَعِيَّتَانِ عَلَى شَخْصٍ: فَاتِحٌ لِمَا أُغْلِقَ، خَاتِمٌ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرُ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، هَادٍ إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ.
فَنَالَ تَابِعُوهُ فِي سَيْرِهِمْ خَمْسَ ضَمَانَاتٍ. الضَّمَانَةُ الْأُولَى: النَّجَاةُ مِنْ كُلِّ الْأَهْوَالِ وَالْآفَاتِ. وَالضَّمَانَةُ الثَّانِيَةُ: الْقَضَاءُ مِنْ جَمِيعِ الْحَاجَاتِ وَالطَّلَبَاتِ. وَالضَّمَانَةُ الثَّالِثَةُ: الطَّهَارَةُ مِنْ جُمْلَةِ السَّيِّئَاتِ. وَالضَّمَانَةُ الرَّابِعَةُ: الرَّفْعُ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ. وَالضَّمَانَةُ الْخَامِسَةُ: الْبُلُوغُ أَجَلَّ أَقْصَى الْغَايَاتِ.
كُنَّكْصَلِّ صَلَاةً بِهَا تُنَجِّينَا بِهَا أَبَدًا جَمِيعَ الْأَهْوَالِ وَالْآفَاتِ يَا اللهُصَلِّ صَلَاةً بِهَا تَقْضِي لَنَا أَبَدًا جَمِيعَ حَاجَاتِنَا يَا اللهُ يَا اللهُصَلِّ صَلَاةً بِهَا رَبِّي تُطَهِّرُنَا مِنْ جُمْلَةِ السَّيِّئَاتِ رَبِّي يَا اللهُصَلِّ صَلَاةً بِهَا رَبِّي تَرْفَعُنَا أَعْلَى مِنَ الدَّرَجَاتِ رَبِّ يَا اللهُصَلِّ صَلَاةً بِهَا رَبِّي تُبَلِّغُنَا أَجَلَّ أَقْصَى مِنَ الْغَايَاتِ يَا اللهُ
وَهَذَا حَقَّ قَدْرٍ وَمِقْدَارٍ عَظِيمٍ! قَدْرٍ وَمِقْدَارٍ يُعْطِيَانِ الْعَبْدَ حَقَّ إِعْطَاءِ الْأَمْرِ إِلَى الرَّبِّ بِلَا حَرَجٍ. قَدْرٍ وَمِقْدَارٍ يُعْطِيَانِ الْعَبْدَ حَقَّ إِعْطَاءِ الْأَمْرِ إِلَى الرَّبِّ بِلَا حَرَجٍ!
كُنَّكْ! اللَّهُمَّ صَلِّ! وَكَيْفَ لَا؟ وَقَدْ أَمَرَ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: فَصَلِّ! ”صَلِّ وَصَلِّ“. صَلَاةٌ مِنَ الْعَبْدِ إِلَى الرَّبِّ، وَصَلَاةٌ مِنَ الرَّبِّ إِلَى الْعَبْدِ. وَمِنْ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ كَانَ السِّبَاقُ إِلَى الْخَيْرَاتِ أَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى. ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾[الْوَاقِعَة، 10-11] . ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾[النُّور، 45] . فَسَوَاءٍ كَانُوا مِنْ ذَوِي الْمُلْكِيَّةِ أَوِ الْمِلْكِيَّةِ أَوِ الْمَلَكُوتِيَّةِ، وَسَوَاءٍ كَانَ السَّفَرُ سَفَرَ فِكْرٍ أَوْ سَفَرَ عَمَلٍ أَوْ سَفَرَ تَوْحِيدٍ.
فَإِنَّ مِيرَاثَ السَّمَاءِ إِذَنْ يَقْتَضِي زَمَانًا وَمَكَانًا وَحَالًا يَكُونُ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَشِيئَتَيْنِ. ذَلِكَ أَنَّ إِرَادَةَ الْعَبْدِ قَدْ يَدْخُلُ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنَ الْمُمْكِنِ، أَمَّا إِرَادَةُ الرَّبِّ فَلَا يَدْخُلُ فِيهَا إِلَّا الْمُمْكِنُ. ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾[الزُّمَر، 4] . فَاللهُ لَا يُرِيدُ مَا لَيْسَ مِنَ الْمُمْكِنِ، فَكَيْفَ يُرِيدُ إِذَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ؟ وَهُوَ أَحَدٌ صَمَدٌ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾[الْإِخْلَاص، 3-4] .
إِنَّ مِيرَاثَ السَّمَاءِ يَخْتَلِفُ فَرْضًا وَنَصِيبًا مِنْ مِيرَاثِ الْأَبَوَيْنِ. وَإِذَا كَانَ لِلرِّجَالِ فِي حُكْمِ الشَّرْعِيِّينَ حَظُّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَإِنَّهُ بِحُكْمِ الْحَقِيقِيِّينَ قَدْ يَكُونُ لِلرَّجُلِ حَظُّ الْأُنْثَى، وَيَكُونُ لِلْمَرْأَةِ حَظُّ الذَّكَرِ. فَيَعُودُ إِلَى مَا يُسَمُّونَهَا: الْأُمُومَةُ الذُّكْرَانِيَّةُ وَالَّتِي جَعَلَتْ آدَمَ أُمًّا لِحَوَّاءَ أَوِ الْأُبُوَّةُ الْأُنْثَوِيَّةُ وَالَّتِي جَعَلَتْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ أَبًا لِعِيسَى الْمَسِيحِ. ﴿وَمَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾[الْمَائِدَة، 75] .
مَا يُصَدِّقُ أَنَّ الْإِمْسَاكَ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنِّكَاحِ فِي رَمَضَانَ نَوْعٌ مِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[الشُّورَى، 11] . لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ. لِهَذَا وُضِعَتْ طَهَارَةُ الْحَدَثِ، وَرُبَّمَا قِيلَ إِنَّ الطَّهَارَةَ مِنَ الْحَدَثِ غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى. وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَثَ وَصْفٌ نَفْسِيٌّ لِلْعَبْدِ لَا يُفَارِقُهُ مَدَى الْحَيَاةِ.
فَالطَّهَارَةُ الْمُطْلَقَةُ لِلْحَدَثِ هِيَ أَنْ يَكُونَ اللهُ سَمْعَكَ وَبَصَرَكَ وَلِسَانَكَ وَيَدَكَ وَرِجْلَكَ: فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا مِنْ أُذُنِ خَيْرٍ، وَلَا تَرَى إِلَّا مِنْ عُيُونٍ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٍ، وَلَا تَتَكَلَّمُ إِلَّا إِذَا أَذِنَ لَكَ الرَّحْمَنُ وَقُلْتَ صَوَابًا، وَلَا تَعْمَلُ عَمَلًا بِيَدِكَ أَوْ تَمْشِي مَشْيًا بِرِجْلَيْكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللهُ هُوَ قَصْدُ السَّبِيلِ فِيهِ. كُنَّكْ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾[فُصِّلَت، 22] .
لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَتِ الْجَوَارِحُ مَا عَلِمَتْهُ النَّفْسُ مِنْ فُجُورٍ وَتَقْوَى لَمَا وَافَقَتْهَا فِي الْعِصْيَانِ. ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾[الْأَنْفَال، 61] . كَذَلِكَ لَوِ اسْتَقَلَّ النَّاسُ بِالسَّعَادَةِ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ لَمَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا وَلَا رَسُولًا.
لَكِنَّ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ، وَكَذَلِكَ الْإِمَامَةَ وَالْخِلَافَةَ، أُسِّسَتْ عَلَى أَحَدِيَّةِ الْجَمْعِ لَا عَلَى أَحَدِيَّةِ الْفَرْقِ. وَإِذَا كَانَتِ الْخِلَافَةُ الْأُمَوِيَّةُ أَوِ الْعَبَّاسِيَّةُ قَدْ أَثَارَتِ الْفِتْنَةَ، ذَلِكَ أَنَّ بُيُوتَهَا لَمْ يُذْهَبْ عَنْ أَهْلِهَا الرِّجْسُ وَلَمْ يُطَهَّرُوا تَطْهِيرًا. ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾[النَّمْل، 52] . وَذَلِكَ بِأَخْذِ الْأَمَانَةِ بِغَيْرِ عَهْدٍ مِنَ اللهِ. كُنَّكْ إِنَّ الَّذِينَ تَوَارَثُوكَ عَلَى الْهَوَىبَعْدَ ابْنِ هِنْدٍ طَالَمَا قَدْ كَذَّبُوكَ لَمْ يَلْبَسُوا بُرْدَ النَّبِيِّ وَإِنَّمَالَبِسُوا طُقُوسَ الرُّومِ إِذْ لَبِسُوكَ
وَهَكَذَا أَجَابَ الرَّسُولُ لِمَنْ طَعَنُوا إِمَارَةَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، كَمَا أَجَابَ الْمَوْلَى الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ طَعَنُوا فِي خِلَافَةِ آدَمَ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ”طَالَ وَاللهِ مَا طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ“ !
لَكِنْ مَا مَعْنَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾[الْجُمُعَة، 2] ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَعْثُ مِنْ جِنْسِهِمْ سُنَّةً مِنْ سُنَنِ الِابْتِلَاءِ؟ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾[مُحَمَّد، 31] . وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.