جامعة رمضان 2012 – درس 1
UR 2012 - Cours 1
إِنَّهُ لَمِنَ الْغَرِيبِ، وَمِنَ الْغَرِيبِ جِدًّا، وَضْعُ مِيرَاثِ السَّمَاءِ عَلَى كَتِفَيِ الدِّينِ وَالسِّيَاسَةِ فَحَسْبُ. ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾[النَّجْم، 22] . ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾[الْأَنْعَام، 38] . كُنَّكْ! ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[آل عِمْرَان، 180] . وَإِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الْوَارِثُ الْحَقِيقِيُّ.
لَكِنَّ الْمَوْضُوعَ: ”مِيرَاثُ السَّمَاءِ بَيْنَ الدِّينِ وَالسِّيَاسَةِ: مَنْ يَنَالُ عَهْدَ اللهِ؟“ هَذَا الْمَوْضُوعُ إِذًا لَا تَهُمُّهُ مَسْأَلَةُ الْقِلَّةِ أَوِ الْكَثْرَةِ، مَسْأَلَةُ الْعَامَّةِ أَوِ الْخَاصَّةِ، مَسْأَلَةُ الْبَعْضِ أَوِ الْكُلِّ؛ وَإِنَّمَا تَهُمُّهُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ تِلْكَ الْآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالَّتِي فِيهَا جَاءَ هَذَا السُّؤَالُ مِنَ اللهِ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾[الْمُؤْمِنُون، 115] .
سُؤَالٌ لَا يُوجَدُ جَوَابُهُ فِي نَعَمْ أَوْ فِي لَا، وَإِنَّمَا جَوَابُهُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ؛ جَوَابٌ لَا يُعْرَفُ دَلَائِلُهُ إِلَّا فِي النَّتَائِجِ. سِيَّمَا وَعَالَمُنَا الْيَوْمَ قَدْ أَصْبَحَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ وَكَأَنَّهُ خُلِقَ عَبَثًا: فَهُدِمَتِ الصَّوَامِعُ وَالْبِيعَةُ وَالصَّلَوَاتُ وَالْمَسَاجِدُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا، هُدِمَ كَثِيرُهَا عَبَثًا! وَدُفِعَتِ الْأَمَانَاتُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا عَبَثًا! وَضَلَّتِ الْحُقُوقُ وَمَعَهَا الْوَاجِبَاتُ عَبَثًا! وَأُهْرِقَتِ الدِّمَاءُ وَسِيئَتْ عَلَى الْأَعْرَاضِ عَبَثًا! وَأُنْفِقَتِ الْأَمْوَالُ الطَّائِلَةُ لَا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا فِي سَبِيلِ تَحْرِيرِ الْعُقُولِ أَوْ طَمْأَنَةِ النُّفُوسِ الْمُتَوَحِّشَةِ، وَإِنَّمَا أُنْفِقَتْ عَلَى: ﴿النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾[آل عِمْرَان، 14] .
كُلُّ شَيْءٍ إِذًا عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ أَصْبَحَ عَبَثًا: فَيُقْهَرُ الْيَتِيمُ، وَيُنْهَرُ السَّائِلُ، وَلَا أَحَدٌ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ يُحَدِّثُ، وَإِنَّمَا بِنِعْمَةِ فُلَانٍ أَوْ فُلَانَةٍ يُحَدِّثُ! ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾[هُود، 116] . هَذَا الْفَسَادُ الَّذِي أُنْزِلَ الدِّينُ مِنَ السَّمَاءِ، وَوُضِعَتِ الشَّرَائِعُ، وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ كَيْمَا يَحْمُوا الْخَلْقَ وَالْوُجُودَ مِنْ هَذَا الْفَسَادِ.
وَهَكَذَا: ﴿خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾[الْفُرْقَان، 54] . هَذَا فِي الْعَهْدِ الْأَخِيرِ مِنَ الْخَلْقِ، وَفِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ أَيْضًا حِينَ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، أَرَادَ سُبْحَانَهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ نَسَبًا وَأَنْ تَكُونَ السِّيَاسَةُ صِهْرًا.
فَخَلَقَتِ الْحُرُوفَ حَرْفًا حَرْفًا وَكَأَنَّهَا أُمَمٌ أَمْثَالُنَا: فِي مَعَانِي الْحُكْمِ أَوْ فِي مَعَانِي الْحِكْمَةِ، فِي حَلَقَاتِ النِّظَامِ أَوْ فِي حَلَقَاتِ التَّرْتِيبِ. وَهَذَا قَبْلَ خَلْقِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، فَاخْتِيرَ الْأَلِفُ رَئِيسًا لِلْحُرُوفِ، وَاخْتِيرَ الْبَاءُ سَيِّدًا لِلْحُرُوفِ، وَهَذَا كَيْمَا يَكُونَ السُّلْطَانُ بَيْنَهُمُ سُلْطَانَ عَدْلٍ لَا سُلْطَانَ ظُلْمٍ. وَهَكَذَا وُضِعَتِ الْحُدُودُ وَالْمَرَاسِمُ تَحْتَ رِقَابَةٍ ذَاتِيَّةٍ لِلْمُعَلِّمِ، وَهُوَ الرَّبُّ، وَلَهُ مُسَاعِدَانِ مِنْ أُولَئِكَ الْأَسْمَاءِ.
فَلَمْ يَعُدْ يَكُونُ لِلشَّيْطَانِ سُلْطَانٌ عَلَى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾[النَّحْل، 99] ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى ﴿الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾[النَّحْل، 100] . لَكِنْ كَيْفَ؟ وَقَدْ كَانَ ﴿كَيْدَ الشَّيْطَانِ ضَعِيفًا﴾[النِّسَاء، 76] لِمَاذَا ؟ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ مَاءٍ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ. فَكَانَتِ الطَّهَارَةُ الْمَائِيَّةُ رَمْزًا لِتِلْكَ الطَّهَارَةِ الْغَيْبِيَّةِ، وَالَّتِي وَجَدْنَا الطَّهَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ وَاسِطَةً بَيْنَهُمَا.
﴿وَيُنْزِلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾[الْأَنْفَال، 11] . وَلَكِنَّهُ الرِّجْزُ، أَوْ كَلِمَةُ الرِّجْزِ هُنَا بِالزَّايِ. وَفِي آيَةٍ أُخْرَى كَلِمَةُ الرِّجْسِ جَاءَتْ بِالسِّينِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[الْأَحْزَاب، 33] . وَعَلَى هَذِهِ الطَّهَارَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ الَّتِي مَا فَوْقَهَا طَهَارَةٌ، أَصْبَحَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ عُضْوًا مُخْتَارًا أُلْحِقَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ الرَّسُولِ عَظَمَةً وَشَرَفًا، لَا دَمًا أَوْ عِرْقًا.
كُنَّكْ! مَا لَذَّةُ الْعَيْشِ إِلَّا صُحْبَةُ الْفُقَرَا هُمُ السَّلَاطِينُ وَالسَّادَاتُ وَالْأُمَرَا. وَكَيْفَ لَا؟ وَقَدْ تَبِعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ فَأَلْحَقَهُمْ بِذُرِّيَّاتِهِمْ. ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾[الْأَنْبِيَاء، 105] ، وَهَذَا مَا دَامَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الْوَارِثُ الْحَقِيقِيُّ.
لِذَا نَجِدُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ آيَاتٍ عِدَّةً تَتَّجِهُ نَحْوَ هَذَا الِاتِّجَاهِ، وَ﴿أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾[فَاطِر، 32] ، وَلِمَاذَا ؟ ذَلِكَ بِأَنَّهُ ضَلَّ وَأَضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ. ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾[فَاطِر، 32] ، وَلِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ وَلَمْ يَنْفَعْ أَحَدًا مِنَ الْخَلْقِ. ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾[فَاطِر، 32] . ذَلكَ بِأَنَّهُمْ ﴿أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾[الْأَنْبِيَاء، 73] . ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾[الدُّخَان، 25-28] .
فَالْكِتَابُ هُنَاكَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى يَعُودُ إِلَى الْمُقَدَّسَاتِ، وَتَعُودُ الْجَنَّاتُ وَمَا حَوَتْ إِلَى الْمُؤَسَّسَاتِ. فَيَقُولُ تِجَانُنَا الْمَكْتُومُ هُنَا مِنْ ذَلِكَ: إِنَّهُ تَوَفَّرَتِ الْمُنَظَّمَاتُ، وَانْتَشَرَتِ الْمُؤَسَّسَاتُ فِي كُلٍّ مِنَ النَّوَاحِي وَالْمَحَلَّاتِ، وَذَلِكَ لِإِخْرَاجِ الْإِنْسَانِ إِلَى النُّورِ مِنَ الظُّلُمَاتِ، وَلِتَطْهِيرِ الْبَوَاطِنِ بِالذِّكْرَيَاتِ. فَيَقُولُ حِكَايَةً عَنِ الذَّاتِ: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾[النَّجْم، 39] ، وَلَوْ فِي طَيَّةٍ مِنَ الطَّيَّاتِ: طَيَّاتٍ آدَاءُهَا بِبَسْمَلَةٍ، وَذِكْرٌ بِهَيْلَلَةٍ، وَمَدْحٌ بِسَبْحَلَةٍ، وَقِرَاءَةٌ بِحَمْدَلَةٍ، وَعِبَادَةٌ بِحَيْعَلَةٍ، وَأَسْمَاءٌ مُسَجَّلَةٌ، وَانْخِرَاطٌ بِسِلْسِلَةٍ، أَوِ انْخِرَامٌ بِوَلْوَلَةٍ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةٍ أَوْ مُشْكِلَةٍ. وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.