جامعة رمضان 2008م – 1429هـ : الدرس الثاني
UR 2008 - Cours 2
إِخْوَةَ الإِيمَانِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ. يَقُولُ ”تَشَارْلَز دَارُوِينْ“ حَفِيدُ ”دَارْوِين“ صَاحِبِ مَذْهَبِ التَّطَوُّرِ، يَقُولُ فِي كِتَابٍ عُنْوَانُهُ ”بَعْدَ مِلْيُونِ سَنَةٍ“، ”The Next Million Years“، كِتَابٍ كُتِبَ بِاللُّغَةِ الإِنْجِلِيزِيَّةِ، ثُمَّ تُرْجِمَ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.
فِي هَذَا الكِتَابِ يَقُولُ تَشَارْلَز: إِنَّ مِائَتَيْ سَنَةٍ كَافِيَةٌ لِلْفَصْلِ فِي أَزْمَةِ الْعَقِيدَةِ الحَاضِرَةِ. وَإِنَّ مِنْ شَأْنِ الضَّمِيرِ الْحَيِّ أَنْ يَخْطُوَ خُطْوَةً أَوْسَعَ مِنْ خُطْوَتِهِ بَيْنَ القَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ وَالْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، وَإِنَّ لِلْعُلَمَاءِ الدِّينِيِّينَ مَوْقِفًا آخَرَ غَيْرَ مَوْقِفِهِمْ فِي الْقَرْنِ الْمَاضِي. فَلَيْسَ بَعْدَ اليَوْمِ لِأَيِّ عَالِمٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَادَّةِ الْجَزْمُ بِالْإِنْكَارِ عَنْ أَيَّةِ عَقِيدَةٍ دِينِيَّةٍ مُسْتَنِدًا إِلَى حَقَائِقِ الْعِلْمِ. ذَلِكَ أَنَّ عَلَاقَةَ الْإِنسَانِ بِالْكَوْنِ أَعْمَقُ وَأَوْثَقُ مِنْ عَلَاقَتِهِ بِبِيئَتِهِ وَوَطَنِهِ وَنَسَبِهِ. وَإِنَّ الْعَقِيدَةَ الدِّينِيَّةَ هِيَ وَحْدَهَا المُتَرْجِمَةُ لِتِلْكَ العَلَاقَةِ تَرْجَمَةً غَيْرَ مُنْحَازَةٍ. ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾[آل عمران، 191] .
لَكِنَّهُ مِنْ طَبِيعَةِ الْإِنْسَانِ، هَذَا المَجْهُولِ، وَلَيْسَ الْإِنسَانِ الْكَامِلِ، إِذًا مِنْ طَبِيعَتِهِ هَذَا المَجْهُولِ، أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ الصَّفِّ الْجَمَاعِيِّ، فَلَا يُطِيقُ الْبَقَاءَ عَلَى أَيِّ نِظَامٍ مِنَ الْأَنْظِمَةِ، بَقَاءً يَقِينِيًّا ثَابِتًا. مَثَلُهُ إِذًا كَمَثَلِ بَعْضِ أَفْرَادِ القَطِيعَةِ الضَّأْنِ أَوِ الْمَعِزِ، وَالَّذِي غَالِبًا مَا يُرَدُّ إِمَّا بِالعَصَا أَوْ بِنَبْحِ الكِلَابِ.
فَالْإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خُلِقَ كَيْمَا يَكُونَ رَقْمًا قِيَاسِيًّا لَهُ قِيمَةٌ. وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَبْقَى صِفْرًا عَلَى جَانِبِ الْعَدَدِ، مَهْمَا كَانَ شِمَالًا أَوْ يَمِينًا. فَنَصِيبُهُ إِذًا نَصِيبُ الْعَطَاءِ لَا نَصِيبُ الطَّلَبِ.
وَرُبَّمَا قِيلَ: إِنَّ حَافِلَةَ الرِّضَى الْإِلَهِيَّةِ حَافِلَةٌ مَقَاعِدُهَا مَحْجُوزَةٌ مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّ لَهَا فِي كُلِّ حِينٍ وَقْتًا مَفْرُوضًا وَمُحَدَّدًا يَأْبَى الْاِنْتِظَامَ.
وَإِذَا كَانَ المَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِي لِلْإِنسَانِ دَوْرَ التَّحَكُّمِ فِي هَذَا العَالَمِ، فَبِصِفَتِهِ خَلِيفَةً عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ لَا بِصِفَتِهِ إِنْسَانًا مِنْ بِنِي آدَمَ. ذَلِكَ أَنَّ اسْتِقْلَالَ الْعَالَمِ بِذَاتِهِ دُونَ اللهِ مُحَالٌ. لِذَلِكَ ”مُومْ“ الْمَوْلَى ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾[طه، 50] . وَمَهْمَا أُعْطِيَ الْعَقْلُ البَشَرِيُّ مِنْ غَرَائِبِ الْمَعْرِفَةِ، فَلَيْسَ لَهُ الهِدَايَةُ فِي أَيِّ شَيْءٍ.
وَإِذَا كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، ذَلِكَ أَنَّ التَّغَيُّرَاتِ - وَالِانْتِقَالَاتِ وَالتَّبَدُّلَاتِ وَالتَّدَاوُلَاتِ -، هَذِهِ التَّغَيُّرَاتِ قَدْ تَأْتِي بِالْمُلَائِمِ وَقَدْ تَأْتِي بِغَيْرِ الْمُلَائِمِ. وَإِنَّ لِتِلْكَ التَّغَيُّرَاتِ حِينًا غَايَاتٍ دُونِيَّةً تَحْتَاجُ الْإِنْسَانَ إِلَى غَايَاتٍ أُخْرَى فَوْقَهَا.
وَإِنَّ اِنْفِرَاجَ الْأَزَمَاتِ فِي كَثِيرِ الْأَحْيَانِ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَمُرَّ مَرَّ السَّحَابِ. وَإِنَّ مَوْقِفَ الْإِنْسَانِ مَعَ الْقَدَرِ الْإِلَهِيِّ أَشْبَهُ فِي القُرْآنِ مِنْ مَوْقِفِ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ. ذَلِكَ أَنَّ مُوسَى يَعْتَرِضُ مِنْ كُلِّ حُكْمٍ يَجْهَلُ عُقْبَاهُ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾[الكهف، 75] . وَحَتَّى أَنْ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، فَمِنْهَا – يَعْنِي مِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ - مَا هِيَ مَعْلُومَةٌ وَمَجْهُولَةٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ.
وَإِذَا كَانَ اخْتِلَافُ الْأَلْسِنَةِ وَالْأَلْوَانِ آيَةً، فَلِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِتِلْكَ الْآيَاتِ الَّتِي تَأْتِينَا حِينًا مِنَ الْآفَاقِ وَحِينًا مِنَ الْأَنْفُسِ، ”تَكَتْ“ ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾[يس، 12] .
فَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَالسُّنَّةُ المُطَهَّرَةُ لَا يَسْتَهْدِفَانِ إِلَّا الْإِنْسَانَ بَدَايَةً وَنِهَايَةً. فَلَيْسَ القُرْآنُ إِذًا كِتَابَ الْمَوْتَى، وَإِنَّمَا هُوَ كِتَابُ الأَحْيَاءِ، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾[الأنعام، 122] .
فَتَبْقَى الْمُصَادِرُ تَارَةً عَقْلِيَّةً وَتَارَةً أُخْرَى نَقْلِيَّةً. ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي مَهَمَّتِهِ الْمَادِّيَّةِ وَالمَعْنَوِيَّةِ هُوَ بَيْنَ قَوْسَيْنِ، فَيَنْفَرِدُ مِنْ ذَلِكَ وَحْدَهُ بِنُسْخَةٍ مُزْدَوَجَةٍ: نُسْخَةٍ يَتَوَلَّاهَا عَالَمُ الْغَيْبِ، وَنُسْخَةٍ أُخْرَى يَتَوَلَّاهَا عَالَمُ الشَّهَادَةِ. فَهُوَ فِي الْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَفِي الْعَالَمِ الْحِسِّيِّ مُكَلَّفٌ. ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾[البلد، 8] ؛ عَيْنٍ تَرَى المَعْبُودَ، وَعَيْنٍ لَا تَرَى إِلَّا الشَّاهِدَ وَالمَشْهُودَ.
وَقَدْ جَمَعَ الْإِنسَانُ فِي نَفْسِهِ كُلَّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأَمَانَةُ وَالْخِلَافَةُ مِنْ صُورَةٍ وَقِوَامَةٍ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَكُونَ وَسِيلَةً تُوقِعُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَيْنَ النَّاسِ.
فَنَصِيبُ الْإِنْسَانِ إِذًا نَصِيبُ اِبْتِلَاءٍ لَا نَصِيبُ شَرَفٍ. وَإِذَا كَانَتْ دُرُوسُ قِيَادَاتِ السَّيَّارَاتِ تَعْتَمِدُ عَلَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، فَإِنَّ تَعَالِيمَ الْإِرْشَادِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَخْلَاقِ لَا تَعْتَمِدُ إِلَّا عَلَى السَّمِيعِ البَصِيرِ. وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ السَّمْعِ وَالبَصَرِ، وَالسَّمِيعِ وَالبَصِيرِ. ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ، فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾[الإنسان، 2] . هَذِهِ الْآيَةُ تَخْتَلِفُ بِتِلْكَ الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[النحل، 78] . فَالشُّكْرُ بِالنِّعْمَةِ إِذًا نَتِيجَةٌ إِيجَابِيَّةٌ لِخُرُوجِ الْإِنْسَانِ مِنْ ذَلِكَ الْاِبْتِلَاءِ.
وَهَكَذَا نَقْرَأُ خَتْمَ القُرْآنِ، وَفِيهِ مِنَ الْإِرْشَادَاتِ وَالآدَابِ لِلتِّلَاوَةِ مَا يَكْفِي مَرَّةً أُخْرَى إِرْشَادًا تَطْبِيقِيًّا وَمَنْهَجِيًّا لِلْعَالَمِ كُلِّهِ. ذَلِكَ أَنَّ القُرْآنَ فِي المَنْطِقِ عَالَمٌ نَاطِقٌ، أَوْ كَوْنٌ نَاطِقٌ، وَالكَوْنُ فِي الحَقِيقَةِ قُرْآنٌ صَامِتٌ. وَقَدْ يَصْلُحُ بِالإِنسَانِ مَا لَا يَصْلُحُ بِالقُرْآنِ. وَمَفْهُومُ كُلِّ هَذَا هُوَ أَنَّ القِيَمَ السَّامِيَةَ وَالمُثْلَى الْعُلْيَا لَهَا فِي ذَلِكَ العَالَمِ الْغَيْبِيِّ لُغَةٌ خَاصَّةٌ وَمَفَاهِيمُ خَاصَّةٌ.
فَقَدْ تُوجَدُ فِي تِلْكَ اللُّغَةِ مَثَلًا كَلِمَةُ ”الْخَطَإِ“، وَلَا تُوجَدُ فِيهَا كَلِمَةُ ”الظُّلْمِ»، كَمَا تُوجَدُ فِيهَا كَلِمَةُ «الفِتْنَةِ» وَلَا تُوجَدُ فِيهَا كَلِمَةُ «الشَّرِّ». فَوُجُودُ الظُّلْمِ وَالشَّرِّ إِذًا مَقْصُورٌ عَلَى عَالَمِ الْأَلْسِنَةِ. ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا، وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ﴾[العنكبوت، 1-3] . ”تَكَتْ“ ﴿وَإِنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾[الحن، 10] .
فَنَفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ لِمَاذَا يُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ. لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾[الأحزاب، 5] . فَحَضْرَةُ السَّلَامِ فِي الْمَفْهُومِ الغَيْبِيِّ بَيْنَ جُدْرَانٍ هَذِهِ الْأَرْبَعَةٍ: مَنْ أُعْطِيَ فَشَكَرَ، وَابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَظَلَمَ فَاسْتَغْفَرَ، وَظُلِمَ فَغَفَرَ. جُدْرَانٌ أَرْبَعَةٌ تُشَكِّلُ بَيْتَ حَضْرَةِ السَّلَامِ.
وَإِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ بِسَبْعِهَا الْمَثَانِي تَتْلُوهَا سُورَةُ البَقَرَةِ بِطُولِهَا، ذَلِكَ أَنَّ أَبْجَدِيَّةَ الْإِيمَانِ فِي السُّورَةِ الأُولَى تَحْتَاجُ إِلَى سُورَةٍ ثَانِيَةٍ تَسْتَعْرِضُ حَرَكَاتِهَا وَضَوَابِطَهَا، ”انْدَخْ“ فَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ بِفِئَاتِهِمُ الثَّلَاثِ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى إِحْيَاءِ المَيِّتِ بِالمَيِّتِ. ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾[البقرة، 67] ، هَذَا إِحْيَاءُ المَيِّتِ لِلْمَيِّتِ.
فَالإِيمَانُ بِالغَيْبِ يَكْفِي الْمُؤْمِنَ اقْتِحَامَ الشُّعَبِ الَّتِي أَشْبَهُ مَا تَكُونُ مَوْضِعَ الْأَلْغَامِ، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾[آل عمران، 31] . يَقُولُ المَثَلُ العَرَبِيُّ: ”إِذَا مَا أَرَادَ اللهُ إِهْلَاكَ نَمْلَةٍ خَلَقَ لَهَا رِيشًا، فَإِذَا طَارَتْ هَلَكَتْ.“
فَتَبْقَى الْمُشْكِلَةُ، مُشْكِلَةَ الْإِنْسَانِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ جَاءَ التَّبْعِيضُ الْإِلَهِيُّ فِي القُرْآنِ. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾[الحج، 18] .
وَإِذَا كَانَ سُبْحَانَهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُعْطِ لِأَيِّ دِينٍ مِنْ تِلْكَ الأَدْيَانِ الثَّلَاثَةِ إِلَّا جُزْءًا مِنْ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ المُطْلَقَةِ، فَلِأَسْبَابٍ. وَهَكَذَا جَاءَتْ شَرِيعَةُ مُوسَى بِجُزْءٍ، وَجَاءَتْ شَرِيعَةُ عِيسَى بِجُزْءٍ، وَجَاءَتْ شَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهِيَ الْخَاتِمَةُ وَهِيَ الْكَامِلَةُ، ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾[المائدة، 3] . وَهَذَا عَامٌّ لِفِئَاتِ الثَّلَاثَةِ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ.
وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ لَمْ يَكُنِ الْإِسْلَامُ مُؤَلَّفًا مِنْ خَمْسٍ، وَإِنَّمَا بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ. إِذًا فَالْأَرْكَانُ الخَمْسَةُ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا هَذَا البِنَاءُ لَا تُقَيَّدُ عَدَدَ الطَّبَقَاتِ.
وَكَذَلِكَ الْإِنسَانُ، خُلِقَ وَحَيَاتُهُ تَعْتَمِدُ عَلَى خَمْسِ أَجْهِزَةٍ: الجِهَازِ العَصَبِيِّ: هِيَ الشَّهَادَةُ، وَالجِهَازِ التَّنَفُّسِيِّ: الصَّلَاةُ، وَالجِهَازِ الدَّوْرِيِّ (أَوِ الدَّمَوِيِّ): الزَّكَاةُ، وَالجِهَازِ الهَضْمِيِّ: الصِّيَامُ، وَالجِهَازِ التَّنَاسُلِيِّ: الحَجُّ.
وَهَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ جَسَدَ الْإِنسَانِ مُرَكَّبٌ مِنْ هَذِهِ الْأَجْهِزَةِ فَحَسْبُ. ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾[الحشر، 21] . وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.