جامعة رمضان 2008م – 1429هـ : الدرس الأول
UR 2008 - Cours 1
إِخْوَةَ الإِيمَانِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ. إِنَّهُ عَشْرٌ، عَشْرٌ يَزْدَادُ ثَلَاثَ سِنِينَ دَأَبًا، وَهَذَا الْمَكَانُ يَضُمُّنَا جَمِيعًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، مَجْلِسٍ يَسْتَظِلُّ تَحْتَ ظِلِّ جَامِعَةِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ، أَوْ يَسْتَظِلُّ تَحْتَ ظِلَالِ القُرْآنِ: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ﴾[البقرة، 185]. .
وَبِوَاسِطَةِ تِلْكَ الْبَيِّنَاتِ مِنَ الْهُدَى نَتَحَاوَلُ جَمِيعًا رَبْطَ الْحَقَائِقِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، حَقَائِقِ الْوَاقِعِ الأَرْضِيِّ بِحَقَائِقِ النُّورِ السَّمَاوِيِّ. إِنَّهَا قُدُسِيَّاتٌ فِي جَانِبٍ، وَجَامِعِيَّاتٌ فِي جَانِبٍ آخَرَ. ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾[الإسراء: 45] .
لَكِنَّهَا قِرَاءَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى قِرَاءَةٍ وَرَاءَهَا مَا وَرَاءَهَا مِنْ تَدَبُّرٍ وَتَفَكُّرٍ، وَرَاءَهَا مَا وَرَاءَهَا مِنْ أُسْلُوبٍ وَتَطْبِيقٍ. لَكِنَّ هِدَايَةَ القُرْآنِ لَهَا عِلَاقَةٌ مَتِينَةٌ بِتِلْكَ الْقِيَادَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، وَالَّتِي جُعِلَتِ السُّنَّةُ المُطَهَّرَةُ دَلِيلًا عَنْهَا: ”تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي“. فَالتُّرْكَةُ إِذًا شَيْءٌ، وَالْمِيرَاثُ شَيْءٌ آخَرُ، وَلَيْسَ نَصِيبُ التُّرْكَةِ - تِلْكَ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ - كَنَصِيبِ مَنْ يَرِثُ عَنِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ. إِنَّهَا أَمَانَةٌ عَرَضَهَا رَسُولُ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، لَا قَبْلَ الرِّسَالَةِ، وَلَكِنْ بَعْدَ الرِّسَالَةِ.
وَمِنْ هُنَا يَكُونُ مَوْضُوعُنَا صَعْبَ الْمَنَالِ، ذَلِكَ أَنَّهُ مُقَسَّمٌ إِلَى شَطْرَيْنِ: شِطْرٍ يَتَنَاوَلُ العَالَمَ - يَعْنِي عَالَمَ الْعَيْشِ أَوْ عَالَمَ الْحَضَارَةِ -، يَتَنَاوَلُهُ مِنْ جَانِبٍ، وَشَطْرٍ يَتَنَاوَلُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ بِمَا فِيهِمَا مِنْ بَشَارَاتٍ وَإِنْذَارٍ. وَإِذَا كَانَتِ الْجَنَّةُ مُحْفُوفَةً بِالْمَكَارِهِ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ الْعَالَمُ مُحْفُوفًا بِالْمَخَاطِرِ، سِيَّمَا وَالْعَالَمُ أَوْلَى بِذَلِكَ ثُمَّ أَوْلَى.
وَإِذَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ فِي عِبَارَاتِهِ النَّبَوِيَّةِ يَقُولُ: ”وَالمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ“، فَإِنَّهُ يَعُودُ إِلَى حِسَابِ الرِّبْحِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعُودُ إِلَى حِسَابِ الْخَسَارَةِ. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾[البقرة: 214] .
وَهَكَذَا فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنَ العُصُورِ، أَخَذَتِ الْأَجْيَالُ نَصِيبَهَا مِنْ تِلْكَ المَخَاطِرِ، حُبًّا أَوْ كَرَاهِيَةً. لَكِنَّ نُقْطَةَ الْاِسْتِفْهَامِ هُنَا أَوْ هُنَاكَ هِيَ أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ، عَالَمَنَا هَذَا، قَائِمٌ بَيْنَ عَالَمَيْنِ: عَالَمٍ يُسَمَّى الدُّنْيَا الرَّبَّانِيَّةَ، وَعَالَمٍ يُسَمَّى الدُّنْيَا الشَّيْطَانِيَّةَ. وَكِلَا الْعَالَمَيْنِ لَا تُدْرِكُهُمَا الْأَبْصَارُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ. بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾[الرحمن: 19-20] .
وَقَدْ يَهُمُّ عَالَمَنَا هَذَا مَدَى التَّعَايُشِ بَيْنَ هَذِهِ وَتِلْكَ - يَعْنِي بَيْنَ الدُّنْيَا الرَّبَّانِيَّةِ وَالدُّنْيَا الشَّيْطَانِيَّةِ -، فَالشَّيْطَانُ يَعِدُ، وَالْإِلَهُ يَعِدُ، فَلَكَ الْخِيَارُ فَمُؤْمِنٌ فِي حِصْنِهِ أَوْ مُنْكِرٌ تَلْهُو بِهِ الأَصْنَامُ.
وَالْأَصْنَامُ هَذِهِ المَرَّةَ لَيْسَتْ تَمَاثِيلَ كَتَمَاثِيلِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى، أَوْ مَنَاةَ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا الْأَصْنَامُ هَذِهِ المَرَّةَ لَعِبٌ وَلَهْوٌ، وَزِينَةٌ، وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ، وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ.
وَإِذَا كَانَ الْكَثِيرُونَ مِنْ سُكَّانِ الْعَالَمِ يَدْفَعُونَ - عَنْ إِرَادَةٍ أَوْ عَنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ - يَدْفَعُونَ كُلْفَةَ التَّأْمِينِ، وَالَّتِي تَرْتَفِعُ أَسْعَارُهَا بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ، وَذَلِكَ وِفْقًا لِأَسْهُمِ الْمَخَاطِرِ، فَهَذَا الْمَفْهُومُ الْعَصْرِيُّ لِلتَّأْمِينِ يَخْتَلِفُ عَنْ ذَلِكَ الْمَفْهُومِ الْقُرْآنِيِّ شَكْلًا لَا مَوْضُوعًا. ذَلِكَ أَنَّ الضَّمَانَ الْإِلَهِيَّ لَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى أَكْتَافِ تِلْكَ الْأَمَانَةِ، وَالَّتِي تَخْتَلِفُ الْأَسْهُمُ مِنْهَا عَدْلًا أَوْ ظُلْمًا، عِلْمًا أَوْ جَهْلًا. فَتَبْقَى الْأَسْبَابُ، وَتَبْقَى الْمَقَادِيرُ مَعَهَا، تَحْتَ تَصَرُّفِ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ: ﴿وَاللهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾[الأنبياء: 23] .
وَقَدْ ثَبَتَ تَارِيخِيًّا وَثَبَتَ وَاقِعِيًّا أَنَّ كُلَّ حَادِثَةٍ مِنْ حَوَادِثِ هَذَا العَالَمِ لَهَا نَتَائِجُهَا اللَّازِمَةُ أَوْ عَوَاقِبُهَا الوَخِيمَةُ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾[الطلاق: 8] .
سِيَّمَا لَقَدْ أَدْرَكْنَا عَصْرًا هُوَ عَصْرُ السُّرْعَةِ، حَيْثُ يَخْتَطِفُ النَّاسُ كُلَّ شَيْءٍ خَطْفًا، سَوَاءٌ كَانَ مَالًا - فَهُمْ يُحِبُّونَهُ حُبًّا جَمًّا -، أَوْ كَانَ تُرَاثًا - فَهُمْ يَأْكُلُونَهُ أَكْلًا لَمًّا -، سَوَاءٌ كَانَ التُّرَاثُ دِينِيًّا أَوْ عِلْمِيًّا، أَوْ كَانَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا مِنَ الوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ.
وَلِكَيْ يَكُونَ القُرْآنُ وَالسُّنَّةُ يُؤْتِيَانِ الحَلَّ المُنَاسِبَ لِهَذَا العَالَمِ، الَّذِي أَشْبَهَ مَا يَكُونُ الْيَوْمَ كَبُنْيَانٍ: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾[التوبة: 109] . ...