جامعة رمضان 2007م – 1428هـ : الدرس الرابع
UR 2007 - Cours 4
إِخْوَةَ الإِيمَانِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، سَلَامٌ مِنَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ. حَدِيثُنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَتَنَاوَلُ تِلْكَ التَّوْجِيهَاتِ وَالإِرْشَادَاتِ الَّتِي تَلَقَّيْنَاهَا مِنْ مَدْرَسَةِ الْمُعَلِّمِ، وَالْمُعَلِّمُ هُنَا الْيَوْمَ هُوَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ.
لَقَدْ سَبَقَ أَنْ قُلْنَا لَكُمْ هُنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَصْرٌ مِنَ الْعُصُورِ مُؤْمِنًا كُلُّهُ، وَلَا مُنْكِرًا كُلُّهُ، وَإِنَّمَا هُنَاكَ مُؤْمِنُونَ وَمُنْكِرُونَ لَا شَكَّ. فَتَعَدُّدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ ضَمَانَةٌ غَيْبِيَّةٌ لِتَعَدُّدِ الْأَدْيَانِ وَالْاِعْتِقَادَاتِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَنَّ اِسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى ظَلَّ مُعَطَّلًا، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَاهُ فِي صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الْوُجُودِ، لَمَا تَجَلَّى الْحَقُّ كَامِلًا دُونَ نُقْصَانٍ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ هُوَ أَنَّ لِكُلِّ اسْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَثَرُهُ الْخَاصُّ فِي مَظَاهِرِ الْخَلْقِ. فَالْحَقُّ عَزَّ وَجَلَّ يَتَجَلَّى بِاسْمِهِ الْهَادِي كَمَا يَتَجَلَّى بِاسْمِهِ الْمُضِلِّ، بَدْءًا لَا غَايَةً. ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾[النحل، 93] ، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿...يُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ﴾[إبراهيم، 29] .
وَإِذَا كَانَتِ الصِّفَاتُ الْإِلَهِيَّةُ الْمُقَدَّسَةُ لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَتَبَدَّلُ، فَإِنَّهَا مِمَّا يَخُصُّ الصِّفَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ تَنْخَرِطُ فِي سِلْكِ الْجَوَازِ. وَكَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: ”مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ.“ مِنْ هُنَا جَاءَتْ مَهَمَّةُ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، إِنَّهَا مَهَمَّةُ زِيَادَةٍ أَوْ إِكْمَالٍ.
وَهَكَذَا أُنْزِلَتِ الشَّرِيعَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. فَالظَّاهِرُ يَتَنَاوَلُ مَنْهَجَ التَّفْسِيرِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾[النحل، 44] ، أَمَّا الْبَاطِنُ فَيَتَنَاوَلُ مَنْهَجَ التَّأْوِيلِ، لِأَنَّهُ يَبْحَثُ انْطِلَاقًا مِنَ الْجُذُورِ لَا مِنَ الْفُرُوعِ، كَمَا يَعُودُ إِلَى اللُّبَابِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعُودُ إِلَى الْقُشُورِ. فَفِي مَنْهَجِ التَّفْسِيرِ إِذًا: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾[يس، 5] ، أَمَّا فِي مَنْهَجِ التَّأْوِيلِ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[البقرة، 5] .
ذَلِكَ أَنَّ الأَسْبَابَ هُنَا -وَهُنَا بِالذَّاتِ- أَضْحَتْ قَطْعِيَّةً وَلَيْسَتْ ظَنِّيَّةً. وَمَا دَامَ لِلْعَقْلِ وَلِلْفِكْرِ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، فَإِنَّ الْعَلِيمَ الْخَبِيرَ لَا يُقَدِّرُ لِلْعَقْلِ وَلَا يُقَدِّرُ لِلْفِكْرِ شَيْئًا يُذْكَرُ، مَا دَامَ الْفِكْرُ يَرُدُّ كُلَّ فَضْلٍ أَوْ كُلَّ خَيْرٍ. ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ. فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾[المدثر، 18-20] . ذَلِكَ أَنَّ الْفِكْرَ لَيْسَتْ لَهُ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي أُوتِيَتْ لِلْحَوَاسِّ الْخَمْسِ. ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾[الإنسان، 2] ، فَالسَّمْعُ حَقِيقَةٌ، وَالْبَصَرُ كَذَلِكَ حَقِيقَةٌ. فَيَحْتَاجُ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ، وَيَحْتَاجُ مَعَهُمَا الْفِكْرُ وَالرَّأْيُ، إِلَى بِيئَةٍ مُطَهَّرَةٍ مِنَ الشَّوَائِبِ. ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾[آل عمران، 191] .
فَالْعَقْلُ فَقِيرٌ، وَالْحَوَاسُّ الْخَمْسُ أَغْنِيَاءُ. وَهَكَذَا يَبْقَى الْفِكْرُ فِي الْمَثَلِ الْقُرْآنِيِّ وَكَأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْبَرْقِ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَتْ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾[البقرة، 19] .
فَتَعْلِيمُ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ إِذًا، لَأَكْبَرُ مَهَمَّةٍ يَقُومُ بِهَا الدَّاعِي الرَّسُولُ. إِنَّهُ تَعْلِيمٌ يَجْهَلُ الْأَكَادِيمِيَّاتِ.
« C’est plus que de la récitation, c’est plus que tout autre geste de piété, c’est une manière providentielle de communiquer avec cette substance de qualité si longuement recherchée dans la matière grise de l’homme. Donc c’est plus qu’un enseignement, c’est de la Haute-Science défiant les évènements et les bouleversements qui les accompagnent. Et la vie devient cette tragédie-comédie où l’homme reste le principal acteur mais n’est pas l’essentiel. »
فَالْكِتَابُ بِمَفْهُومِهِ الْقُرْآنِيِّ يَعْنِي الرِّسَالَةََ، بِمَا فِي الرِّسَالَةِ مِنْ وَحْيٍ سَمَاوِيٍّ وَهُدًى رَبَّانِيٍّ، وَالْحِكْمَةُ، تَعْنِي الدَّعْوَةَ، بِمَا فِي الدَّعْوَةِ مِنْ مَنْهَجٍ إِنْسَانِيٍّ وَأُسْلُوبٍ زَمَانِيٍّ وَمَكَانِيٍّ، يَتَعَايَشَانِ فِي حَضْرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَخْتَلِفَانِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالنَّتَائِجِ. فَالدَّاعِي الرَّسُولُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَخْصِيَّةً خُرَافِيَّةً كَأُولَئِكَ الْمَلَكِ فِي السَّمَاءِ، ﴿أَوَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾[الأنعام، 10] ، وَإِنَّمَا هُوَ -يَعْنِي الدَّاعِي الرَّسُولُ- إَنَّمَا هُوَ شَخْصِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ، يَعِيشُ كَمَا يَعِيشُ النَّاسُ، لَا كَمَا تَعِيشُ الأَنْعَامُ.
إِنَّهُ نَفْسٌ تُخَاطِبُ نُفُوسًا مِثْلَهَا، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾[الجمعة، 2] . وَمَعَ اخْتِلَافِ الطَّبَائِعِ وَالنُّفُوسِ، فَالدَّعْوَةُ تَحْتَاجُ إِلَى تَسْوِيَةٍ حَكِيمَةٍ مِنْ طَرَفِ الدَّاعِي. فَدَعْوَتُهُ إِذًا، نِدَاءُ ضَمِيرٍ إِلَى ضَمِيرٍ، ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ، أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[يونس، 16] .
فَالدَّعْوَةُ هِيَ تِلْكَ التَّجْرِبَةُ الْفَرِيدَةُ مِنْ نَوْعِهَا، أَوْ هِيَ تِلْكَ الْمِيكَانِيكِيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ الَّتِي أُوتِيَتْ ذَلِكَ الإِنْسَانَ الْمُجَرَّدَ. إِنَّهَا مِيكَانِيكِيَّةٌ لَا تُبَالِي بِخَرَابِ ظَاهِرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا سَلِمَ بَاطِنُ الْإِنْسَانِ وَضَمِيرُهُ، ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾[الشعراء، 89] .
كُلُّ الدَّعَوَاتِ مَهْمَا اتَّسَعَتْ بَشَارَاتُهَا، فَغَالِبًا مَا تَكُونُ أَسْبَابُ الرَّفْضِ أَعْلَى مِنْ أَسْبَابِ الْقَبُولِ. وَكَثِيرًا مَا يَكُونُ الدَّاعِي عَرَضًا لِكُلِّ ظُلْمٍ وَلِكُلِّ عَدَاوَةٍ، وَ﴿قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾[الذاريات، 52] ، ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾[الصافات، 36] ، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ، قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾[الحاقة، 14] ، ذَلِكَ أَنَّ الشُّعَرَاءَ يَتْبَعُهُمُ الْغَاوُونَ، وَإِنَّمَا يَتَّبِعُ الْمُرْسَلِينَ أُولَئِكَ الْمُتَّقُونَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.
مَا جَعَلَ السَّيِّدَ الْمَسِيحَ يَقُولُ لِأَتْبَاعِهِ: ”أَتَحْسَبُونَنِي أَتَيْتُ لِأَمْنَحَ الْأَرْضَ سَلَامًا؟ كَلَّا، وَإِنَّمَا هُوَ الصَّدَامُ وَالْاِنْقِسَامُ.“ خَمْسَةٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ عَلَى اثْنَيْنِ، أَوِ اثْنَانِ عَلَى وَاحِدٍ.
إِنَّهُ تَغْيِيرُ وِجْهَةٍ، وَافْتِتَاحُ قِبْلَةٍ، إِمَّا قِبْلَةِ الرُّوحِ، أَوْ قِبْلَةِ الْجَسَدِ؛ إِمَّا مَعْبَدِ الضَّمِيرِ، أَوْ مَعْبَدِ الصَّخْرِ وَالْخَشَبِ، هُنَا وَهُنَاكَ. ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ عَصْرٍ تُلْتَمَسُ فِيهِ دَعْوَةُ السَّمَاءِ يَكَادُ يَكُونُ عَصْرَ الشَّكِّ وَالسُّخْرِيَةِ لِكُلِّ الْمُقَدَّسَاتِ، ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾[الزحرف، 18] .
فَيَقُولُ الْمُفَكِّرُ الدَّنْمَرْكِيُّ ”كِيرْكِغَارْدَ“: ”لِمَاذَا الدِّينُ هُوَ الْأَمْرُ الْوَحِيدُ الَّذِي يُأْمِرُ الْإِنْسَانَ بِمَا يَتَنَاقَضُ مَعَ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ؟“ مُفَكِّرٌ دَنْمَرْكِيٌّ، عَاشَ حَوَالَيْ 1813 مِلَادِيًّا، سَأَلَ هَذَا السُّؤَالَ: ”لِمَاذَا الدِّينُ هُوَ الْأَمْرُ الْوَحِيدُ الَّذِي يُأْمِرُ الْإِنْسَانَ بِمَا يَتَنَاقَضُ مَعَ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ؟“ فَذَبْحَ الْوَالِدِ بِوَلَدِهِ نَقِيضٌ لِلْأَخْلَاقِ، لِأَنَّهُ نَقِيضُ الرَّحْمَةِ. وَيَتَنَاوَلُ هُنَا الْمُفَكِّرُ ذَلِكَ الْجَانِبَ السَّلْبِيَّ مِنْ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَالذَّبِيحِ إِسْمَاعِيلَ. فَرَحْمَةُ الرَّبِّ الْخَفِيَّةُ رُبَّمَا كَانَتْ غُنِيمَتُهَا أَكْبَرَ وَأَوْفَرَ مِنْ رَحْمَةِ الْأَبِ. لَكِنَّ الْإِيمَانَ بِهَذِهِ الْعَقِيدَةِ هُوَ مَهَمَّةُ الدَّعْوَةِ وَلَيْسَتْ مَهَمَّةَ الرِّسَالَةِ.
فَيَقُولُ المسيح: ”مَنْ مِنْكُمْ يَسْأَلُهُ ابْنُهُ خُبْزًا فَيُعْطِيهِ حَجَرًا، وَمَنْ مِنْكُمْ يَسْأَلُهُ ابْنُهُ سَمَكَةً فَيُعْطِيهِ حَيَّةً، وَمَنْ مِنْكُمْ يَسْأَلُهُ ابْنُهُ بَيْضَةً فَيُعْطِيهِ عَقْرَبًا؟ فَإِذَا كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تُحْسِنُونَ الْعَطَاءَ لِلْأَبْنَاءِ، فَكَيْفَ بِالرَّبِّ الَّذِي فِي السَّمَاءِ؟ إِنَّهُ لَا يُعْطِي إِلَّا رُوحًا قُدُسًا لِمَنْ يَسْأَلُونَ“. ”كُنَّكْ“ ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾[الصافات، 102] ، إِنَّهَا كَلِمَةٌ لَا تَنْطَلِقُ مِنْ جَانِبِ الضَّعْفِ، وَإِنَّمَا تَنْطَلِقُ مِنْ جَانِبِ الْقُوَّةِ. إِنَّهُ صِدْقٌ وَأَمَانَةٌ يُكَلِّفَانِ الْمَرْءَ أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ. ”كُنَّكْ“: ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾[البقرة، 53] .
فَهَذِهِ الْعِصْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ لِلْأَنْبِيَاءِ لَا تُعْطَى لِرِجَالٍ خَطَّائِينَ. فَيَقُولُ أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْمَرَضُ: ”بَعْدَ أَنْ يَفْنَى جِلْدِي هَذَا وَبِدُونِ جَسَدِي أَرَى اللهَ“. فَقَضِيَّةُ الْبَعْثِ هِيَ الَّتِي بِهَا تَسْمُو الرَّحْمَةُ الرَّبَّانِيَّةُ بِالْعَبْدِ الرَّبَّانِيِّ إِلَى أَعْلَى عَلِيِّينَ. وَلِهَذَا أَرَادَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَقْدِيمَ النَّتَائِجِ عَلَى الْمُقَدِّمَاتِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾[البقرة، 259] . ذَلِكَ أَنَّ فَضْلَ كُلِّ رِسَالَةٍ مَرْهُونٌ بِفَضْلِ الدَّاعِي الْمُرْسَلِ الَّذِي وُكِّلَ بِهَا، لَكِنَّ الدَّعْوَةَ شَيْءٌ وَالْهِدَايَةَ شَيْءٌ آخَر. ”انْدَخْ“ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾[القصص، 56] . وَذَلِكَ حِينَ تُعْطَى لِلْهِدَايَةِ كُلُّ الْفُرَصِ الْمُتَاحَةِ زَمَانًا وَمَكَانًا. فَيَقُولُ الْقَائِلُ مِنْ ذَلِكَ -شَيْءٌ مُهِمٌّ جِدًّا- يَقُولُ الْقَائِلُ، هَذِهِ الْآيَةَ الْقُرْآنِيَّةَ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾[القصص، 56] ، يَقُولُ هَذِهِ الْآيَةَ الْقُرْآنِيَّةَ لَهَا مَرْجِعٌ مِنْ كُلِّ تَارِيخِ دَعْوَةٍ، لَا سِيَّمَا دَعَوَاتِ الْأَدْيَانِ الْكُبْرَى.
فَالدَّعْوَةُ وَالدَّاعِي كِلَاهُمَا مَعًا وَسِيلَةٌ مُسَخَّرَةٌ تَسِيرُ وَفْقَ حِكْمَةٍ إِلَهِيَّةٍ. مَاذَا لَوْ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ عَقَلُوا فَاسْتَجَابُوا لِدَعْوَةِ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْمُسْلِمُونَ مَكَّةَ دُخُولَ الْفَتْحِ وَالنَّصْرِ؟ وَإِنَّ الْهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَاتِحَةُ الْفَتَوْحَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ. لَوْ أَنَّهَا ارْتُفِعَتْ مِنْ تَارِيخِ الْإِسْلَامِ، لَتَغَيَّرَ ذَلِكَ التَّارِيخُ كُلِّيًّا.
وَمَاذَا لَوْ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي عَصْرِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ قَبِلُوهُ وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوا بِكَلِمَاتِ رَبِّهِ وَكِتَابِهِ، وَفَتَحُوا لَهُ أَبْوَابَ الْهَيْكَلِ مُرَحِّبِينَ؟ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ، هَلْ سَتُصْبِحُ رُومُ الْفَاتِيكَانِ هَذِهِ كَمَا هِيَ؟ لَا، وَإِنَّمَا تَبْقَى نِسْيًا مِنْسِيًّا، أَوْ تَبْقَى رُومَ الْقِيَاصِرَةِ وَالْأَكَاسِرَةِ الْجَبَّارِينَ. ﴿كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾[الرعد، 9] . يَعْرِفُهُ مَنْ يَعْرِفُهُ، أَوْ يَجْهَلُهُ أَوْ يَتَجَاهَلُهُ مَنْ يَتَجَاهَلُهُ.
وَحَوْلَ هَذَا الْقَدَرِ وَالْمِقْدَارِ الْإِلَهِيِّ الْعَظِيمِ تَخْتَلِفُ الْمَنَاهِجُ وَتَخْتَلِفُ الْأَسَالِيبُ بِاخْتِلَافِ الْحَوَادِثِ وَالنَّفْسِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ، الْمَشْرِقِيَّةِ مِنْهَا وَالْمَغْرِبِيَّةِ. ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾[البقرة، 114] . كَذَلِكَ تَخْتَلِفُ مَعَهَا وَسَائِلُ الْإِقْنَاعِ وَالتَّأْثِيرِ بَيْنَ عَصْرٍ وَعَصْرٍ. وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ يَكُونُ إِحْيَاءُ الْقُلُوبِ مُقَدَّمًا عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى. ”كُنَّكْ“ ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مِثْلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَّ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[الأنعام، 123] .
وَلَكُمْ فِيمَا بَعْدُ تَفْصِيلٌ لِتِلْكَ الدِّرَاسَةِ الْمَنْهَجِيَّةِ، وَالَّتِي جَاءَتْ بِهَا مَدْرَسَةُ الْمُعَلِّمِ الْمَسِيحِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ رُوحِ اللهِ وَكَلِمَتِهُ، نُتَابِعُهَا وَنُرَافِقُهَا بِآيَاتٍ قُرْآنِيَّةٍ بَيِّنَاتٍ: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾[النساء، 86] ، ”تَكَتْ“ ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾[الأنعام، 39] . وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.