Markaz App

خطاب مولد النبي 1982

Mawlid 1982

1

يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدْتَ فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ وَأَنْتَ خَيْرُ مَوْلُودٍ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَدُفِنْتَ فِي مَدِينَتِكَ الْمُنَوَّرَةِ وَأَنْتَ خَيْرُ مِدْفُونٍ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْ عَوَاصِمِ الْعَالَمِ. وُلِدْتَ فِي خَيْرِ بَلَدٍ، وَدُفِنْتَ فِي خَيْرِ بَلَدٍ، وَبَيْنَهُمَا خَيْرُ مَا لِلنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ مِنْ أَثَرٍ، وَبَيْنَهُمَا مِنْ أَسْبَابِ الْعِزِّ وَالْكَرَامَةِ مَا جَعَلَ الْإِنْسَانَ يَحْيَى فِي الْأَرْضِ وَذِكْرُهُ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى السَّمَاءِ وَلَمْ يُفَارِقْ قَلْبُهُ حَنَايَا الْأَرْضِ، حَنَايَا هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي عَبَدَ فِيهَا خَيْرَ مَنْ يُعْبَدُ.

2

يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُرْسِلْتَ وَلَمْ تُرْسَلْ لِأُمَّةٍ دُونَ أُمَّةٍ وَبُعِثْتَ وَلَمْ تُبْعَثْ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَأُوتِيتَ بِكِتَابٍ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، وَبِجَمَاعَةٍ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، جَالَيْتَ وَكَافَحْتَ وَحَارَبْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَتَحَمَّلْتَ فِيهَا الضُّرَ وَالْأَذَى وَصَبَرْتَ فِيهَا عَلَى الْبَلَاءِ وَالْأَدْوَاءِ وَجَعَلْتَ حَيَاتَكَ مِثَالًا لِكُلِّ مِنَ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ. الْخَلَفُ فِيهَا مَأْمُونٌ وَالسَّلَفُ فِيهَا مَيْمُونٌ، وَأَعْطَيْتَ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ حَقَّهُ فِي اللهِ، وَحَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وَأَخَذْتَ كَمَالَ الرِّضَا مِنْ هَذَا إِلَى ذَاكَ كَمَا تَنَاوَلْتَ رُوحَ الْقَبُولِ مِنْ ذَاكَ إِلَى الْآخَرِ، فَقُلْتَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ حِكَايَةً عَنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾[النساء، 23] ، وَقُلْتَ فِي حَقِّ الْحَيَوَانَاتِ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾[الأنعام، 38] ، كَمَا قُلْتَ فِي حَقِّ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾[الإسراء، 44] . بِهَذَا قَدَّمْتَ الرُّوحَ الَّتِي هِيَ سَيِّدَةُ الْحَقَائِقِ الْاِجْتِمَاعِيَّةِ وَأَتْبَعْتَهَا الْخُلُقَ ثُمَّ شَرَّفْتَ بِهِمَا الْمَادَّةَ لِتَبْقَى هَذِهِ خَيْرَ مَا لِلْمَدَنِيَّاتِ مِنْ أُسْلُوبٍ وَتَنْظِيمٍ.

3

يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، هِيَ لَيْلَتُكَ الْغَرَّاءُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا أَهْلُ الْحَضَرِ وَالْمَدَرِ وَتَلْتَقِي فِيهَا نَفْسٌ حُرَّةٌ مُؤْمِنَةٌ بِنَفْسٍ حُرَّةٍ مُؤْمِنَةٍ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِتَنْضَمَّ جُنُودٌ إِلَى جُنُودٍ مِثْلِهَا، فِي سَبِيلِ الْإِصْلَاحِ وَالْعَمَلِ: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْض﴾[الفتح، 4] .

4

يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ أُمَّتَكَ السَّمْحَاءَ، أُمَّةً وَاحِدَةً، تَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ جَلَدُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيَكُونَ عَرَقُهَا فِي طَرِيقِ الْمَسَاعِي الْخَيِّرَةِ لَا فِي طَرِيقِ الشَّغْرَبَيَّةِ وَلَا فِي طَرِيقِ الْخِدَاعِ. وَكَانَتِ الْحَالَةُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :

5

قُلْ لِمَنْ يَطْلُبُ يَوْمًا رَاحَةًإِنَّمَا الْأَتْعَابُ فِينَا نِعَمُتَعَبُ الْآكِلِ لَا بَأْسَ بِهِتَعَبٌ مَا تَشْتَكِيهِ الْأُمَمُتَعَبُ الْمَاشِي وَفِي الْمَشْيِ رِضًافَكَمَا تَحْيَا بِذَاكَ الْقَدَمُوَكَذَا الْعِلَّةُ تَغْدُو تَعَبًاوَهْيَ فِي غَايَتِهَا مُغْتَنَمُكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقَضَايَا حِكْمَةٌتَتَوَالَى فِي ذَرَاهَا حِكَمُوَحَيَاةُ الْمَرْءِ لَيْسَتْ بَاطِلًايَا حَيَاةً شَرَّفَتْهَا هِمَمُقَدِّرِ الْأَشْيَا وَحَاسِبْ كُلَّهَايَتَرَاءَى لَكَ فِيهَا عَلَمُوَسَلِ الْأَسْرَارَ عَنْ مَصْدَرِهَا وَلِمَاذَا فِي الْحِمَى تُحْتَرَمُبِرِضًا تُدْرِكُ مَا فِي ضِمْنِهَاأَيُّهَا الْمُسْلِمُ ذَاكَ الْكَرَمُ

6

وَهَذَا إِلَى أَنْ تَرْجِعَ النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَةُ إِلَى حَظِيرَتِهَا الْأُولَى رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً:عَاشَ قَوْمٌ فِي جَنَّةِ الْأَرْضِ لَمَّا جَاوَرُوا الْحَقَّ وَالْحَقِيقَةَ فِيهَاجَهِلُوا الشَّكَّ وَالتَّرَدُّدَ حَتَّى أَدْرَكُوا الْغَيْبَ بِالْبَصَائِرِ فِيهَاقَابَلُوا بِالصَّلَاحِ كُلَّ نُفُوسٍ وَاجْتَبَوْهَا لِحِكْمَةٍ هِيَ فِيهَاهَذِهِ جَنَّةُ الْكِرَامِ وَهَلْ مِنْ جَنَّةٍ بَعْدَهَا يُقِيمُونَ فِيهَا

7

وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَى أَصْحَابِكَ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.