Markaz App

جامعة رمضان 2007م – 1428هـ : الدرس الثاني

UR 2007 - Cours 2

1

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ. حَدِيثُنَا هَذِهِ اللَّيْلَةِ تَتَنَاوَلُ التَّحَدِّيَاتُ، سَوَاءٍ كَانَتْ تَحَدِّيَاتٌ اِجْتِمَاعِيَّةٌ أَوْ كَانَتْ تَحَدِّيَاتٌ ثَقَافِيَّةٌ أَوْ كَانَتْ تَحَدِّيَاتٌ سِيَاسِيَّةٌ. هَذِهِ التَّحَدِّيَاتُ الَّتِي قَدْ تَكُونُ عَرْقَلَةً مِنَ الْعَرَاقِيلِ الَّتِي سَوْفَ تُوقِفُ حَرَكَةَ الدَّعْوَةِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَصْرٌ مِنَ الْعُصُورِ، لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا كُلَّهُ وَلَا مُنْكِرًا كُلَّهُ. وَلَا بُدَّ لِكُلِّ عَصْرٍ مِنْ مُؤْمِنِينَ وَمُنْكِرِينَ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فَقَطْ فِي أَسْبَابِ الْإِيمَانِ وَأَسْبَابِ الْإِنْكَارِ. ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾[الكهف، 29] . هَذِهِ آيَةٌ قُرْآنِيَّةٌ.

2

وَفِي سَبِيلِ مُوَاجَهَتِهَا بِكُلِّ التَّحَدِّيَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَالدَّعْوَةُ لَا بُدَّ تَسْتَعْمِلُ تِلْكَ الْأَسَالِيبِ الَّتِي تَأْتِيهَا حِينًا عَنْ وَحْيِ السَّمَاءِ وَحِينًا آخَرَ عَنْ تَجَارُبِ السَّابِقِينَ. وَمِنْ طَرَفِ تِلْكَ التَّجَارُبِ يُمْكِنُ الْقَوْلُ أَنَّ الدَّعْوَةَ تَمُرُّ فِي مَرَاحِلَ أَرْبَعَةٍ. الْمَرْحَلَةُ الْأُولَى تَارِيخِيَّةٌ.

3

فَتَارِيخُ أَيَّةِ الدَّعْوَةِ مِنَ الدَّعَوَاتِ السَّمَاوِيَّةِ قَدْ تَكُونُ حِينًا مُتَّصِلَ الْجُذُورِ وَالْفُرُوعِ مَعًا، وَحِينًا آخَرَ قَدْ تَكُونُ مُنْفَصِلًا. وَمَفْهُومُ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ هُوَ أَنَّ الْاِصْطِفَائِيَّةَ لَيْسَتْ حَكَرًا لِأُمَّةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ أُسْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ نَسَبٍ مُعَيَّنٍ. لَنْ تَبْقَى الْاِصْطِفَائِيَّةُ أَبَدًا فِي قَوْمٍ يَبْغُونَ كُلَّ شَيْءٍ عِوَجًا. وَقَدْ فَصَّلَتِ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ - فَصَّلَتْ مَوْضُوعَ الْاِخْتِيَارِيَّةِ - فَصَّلَتْهُ فِي نُوحٍ وَابْنِهِ، فَصَّلَتْهُ فِي إِبْرَاهِيمَ وَأَبِيهِ، فَصَّلَتْهُ فِي امْرَأَتَيْ نُوحٍ وَلُوطٍ، فَصَّلَتْهُ وَأَخِيرًا فِي مُحَمَّدٍ وَعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ.

4

وَقَدْ جَاءَتْ قِصَّةُ مُوسَى وَهَارُونَ فِي قَضِيَّةِ الْخِلَافَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ لَهَا أَيُّ مَعْنًى إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَى النِّيَابَةِ. ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾[الأعراف، 142] . وَهَكَذَا جَاءَ التَّحَدِّي أَيْضًا مِنْ طَرَفِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَهُوَ يُنَاهِضُ الْحَوَّارِيِّينَ عَلَى أَدَاءِ مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلَّهِ لِلَّهِ. وَمَا قَرَأْنَاهَا فِي سِيرَةِ الرَّسُولِ ﷺ كَافِيَةٌ كُلَّ الْكِفَايَةِ أَنَّهُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَحَتَّى النَّفْخِ فِي الصُّورِ ﴿لَنْ يَنَالُ عَهْدُ اللهِ الظَّالِمُونَ﴾[البقرة، 124] .

5

وَانْطِلَاقًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ تَكُونُ الْمَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ مَرْحَلَةُ الْمُقَارَنَةِ بَيْنَ الْأَسَالِيبِ وَذَلِكَ كَيْ يُمَيَّزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. إِنَّ تَسَارَعَ الْأَرْبَابِ لَمْ يَخْلُ مِنْهُ عَصْرٌ مِنَ الْعُصُورِ، لَكِنَّهُ فِي كُلِّ عَصْرٍ يَقْتَضِي أَخْذَ الْمَحَاذِيرِ مِنْ طَرَفٍ وَأَخْذَ الْمَخَاطِرِ مِنْ طَرَفٍ آخَرَ. وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَحَاذِيرِ وَالْمَخَاطِرِ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾[آل عمران، 28] . وَلِذَا يَقُولُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ ﴿وَلَا يَتَّخِذُ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾[آل عمران، 64] . وَيَقُولُ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَلَا يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾[آل عمران، 80] . كَمَا يَتَسَاءَلُ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾[يوسف، 39] . وِمِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ قَدْ تَفْتَرِقُ جَمِيعُ الطُّرُقِ.

6

فَهُنَاكَ مَثَلًا مُفْتَرِقُ طَرِيقٍ بَيْنَ التَّعْدِيدِ وَالتَّوْحِيدِ ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾[الأنبياء، 52] ، وَمُفْتَرِقُ طَرِيقٍ فِي عِبَادَةِ الْأُسْرَةِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي قَدْ تَخْتَلِفُ بَيْنَ طَرِيقَيْنِ كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهَا فِي تَارِيخِ الدَّعْوَةِ. فَيَقُولُ يُوحَنَّا -يَعْنِي يَحْيَى النَّبِيُّ - يَقُولُ مِنْ ذَلِكَ: ”إِنِّي أَقُولُ لَكُمْ بِصَرَاحَةٍ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَادِرٌ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ هَذِهِ الْحِجَارَةِ أَبْنَاءً لِإِبْرَاهِيمَ.“

7

فَالْعَقَائِدُ لَا شَكَّ عُرْضَةٌ لِلْمُخَالَفَةِ، لَكِنْ اِخْتِلَافٌ قَطِيعَةِ الضَّغْنِ فِي اخْتِلَافٍ قَطِيعَةِ الْمَعِزِّ. وَهُنَاكَ أَيْضًا مُفْتَرَقُ طَرِيقٍ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِ الْخَوَارِقِ بَيْنَ الْكَهَانَاتِ وَالنُّبُوَّاتِ ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾[طه، 66] . هَذَا مُوسَى الْكَلِيمُ. لَكِنْ ﴿مَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾[طه، 17] ، هَذِهِ حَقِيقَةٌ أُخْرَى. ﴿وَمَا تِلْكَ بَيِمِينِكَ يَا مُوسَى. قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَى. قَالَ أَلْقِهَا فَأَلْقِاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى. قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾[طه، 17-21] . وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾[الصافات، 107] . وَفِى آيَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾[البقرة، 67] . لَكِنْ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ...﴾[المائدة، 3] لَاسِيَّمَا ﴿...وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ﴾[المائدة، 3] سَوَاءٍ كَانَتْ فِي الرُّوحَانِيَّاتِ أَوْ كَانَتْ فِي الْجُثْمَانِيَّاتِ.

8

وَهَكَذَا نَنْتَقِلُ إِلَى الْمُقَارَنَاتِ لِنَتَنَاوَلَ مَا يُسَمَّى بِطَبِيعَةِ الدَّعْوَةِ وَهَلْ لِلدَّعْوَةِ طَبِيعَةٌ؟ إِنَّهُ لَا يَحْدُثُ حَادِثٌ دِينِيٌّ وَلَا حَادِثٌ دُنْيَوِيٌّ إِلَّا سَبَقَتْهُ مُقَدَّمَاتِهُ. وَهَكَذَا جَاءَتْ كُلُّ دَعْوَةٍ وِفَاقًا لِمَطَالِبِ الْعَصْرِ الَّتِي أُوتِيَتْ مِنْ أَجْلِهَا. وَكَمَا يَحْدُثُ الْاِنْقِلَابُ فِي الْحُكْمِ لِسَبَبٍ أَوْ أَسْبَابٍ، كَذَلِكَ إِذَا ظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْآفَاتِ فِي قَوْمٍ حَتَّى أَصْبَحَتْ عَلَنِيَّةً وَتَهَافَتَ النَّاسُ عَلَى الْحَيَاةِ السَّاقِطَةِ، فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ تَوَقُّعُ الْاِنْقِلَابِ إِمَّا مِنْ طَرَفِ السَّمَاءِ أَوْ مِنْ طَرَفِ الْأَرْضِ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ...﴾[هود، 40] ”وَايِنَكْ“ ﴿...إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ...﴾[هود، 40] ـ ”تَكَتْ“ ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ. وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا...﴾[هود، 40-41] إِلَى آخَرِ الْآيَةِ. وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ. وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾[هود، 59-60] . ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾[هود، 61] إِلَى أَنْ قَالَ ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمَئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ. وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةَ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾[هود، 66-68] . وَآيَةٌ أُخْرَى، هَذَا فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُبِينٌ. يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾[هود، 74-76] .

9

آيَاتٌ فِي آيَاتٍ يَحْكِيهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَكَانَ طَبِيعَةُ الدَّعْوَةِ تَتَعَاوَنُ مَعَ الْإِرَادَةِ الْغَيْبِيَّةِ وَمَعَ النُّصْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي لَا غَالِبَ لَهَا ﴿إِنْ يَنْصُرُكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾[آل عمران، 160] . وَهَذَا إِذَا تَحَجَّرَتِ الْأَوْضَاعُ السِّيَاسَيَّةُ وَالْاِجْتِمَاعِيَّةُ وَسَاءَتِ الْعَلَاقَاتُ وَالْمُعَامَلَاتُ بَيْنَ الْحَاكِمِ وَالْمَحْكُومِينَ بَيْنَ حِزْبٍ وَحِزْبٍ بَيْنَ طَائِفَةٍ وَأُخْرَى حَتَّى تَقَطَّعَتْ بَيْنَهُمُ الْأَسْبَابُ. كَذَلِكَ إِذَا تَجَمَّعَتِ الثَّرْوَةُ وَالْكَسَلُ فِي نَاحِيَةٍ وَتَجَمَّعَتِ الْفَاقَةُ وَالْجَهْدُ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى وَغَرَقَ الْأَغْنِيَاءُ فِي التَّرَفِ وَغَرَقَ الْفُقَرَاءُ فِي الشَّقَاءِ، فَحِينَئِذٍ فَسَدَتْ حَيَاةُ هَؤُلَاءِ وَحَيَاةُ هَؤُلَاءِ. ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾[الإسراء، 16] .

10

فَالْكِتَابُ الْأَسْوَدُ كِتَابٌ فِيهِ الشَّرَائِعُ وَالْأَحْكَامُ، لَكِنَّ الْكِتَابَ الْأَبْيَضَ كِتَابٌ أَرْضِ الْوَاقِعِ، قَدْ يُمْلِي أَنَّهُ إِذَا مَا تَفَرَّغَتْ كَفَّتَا مِيزَانِ الْعَدَالَةِ وَاسْتَوَتْ مَعًا فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْعَدَالَةُ السَّمَاوِيَّةَ مَعْصُوبَةَ الْعَيْنَيْنِ وَيَوْمَئِذٍ تُنْقَشُ الشَّرَائِعُ وَالْقَوَانِينُ حِينًا عَلَى الْعَصَا وَحِينًا عَلَى الْحِجَارَةِ، حِجَارَةٍ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ وَحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾[الفيل، 5] . أَلَمْ نَقُلْ لَكُمْ فِي حَدِيثِنَا تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَنَّ وَسَائِلَ النُّفُوذِ الطَّاغِيَةِ مَقْرُونَةٌ بِوَسَائِلِ الْمُقَاوَمَةِ الْعَادِلَةِ ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾[البقرة، 251] .

11

وَتَبْقَى الْمُشْكِلَةُ هِيَ مُشْكِلَةُ هَذَا الدَّفْعِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي يَأْتِينَا حِينًا مِنَ الْغَيْبِيَّاتِ وَحِينًا آخَرَ مِنَ الْإِنْسَانِيَّاتِ. وَالسُّؤَالُ الْمَطْرُوحُ الْآنَ هُوَ هَذَا: كَيْفَ تَكُونُ حَجَمِيَّةُ هَذَا الدِّفَاعِ؟ مَا هُوَ حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ؟ وَمَا هِيَ حُدُودُ اللهِ لِهَذَا الدِّفَاعِ؟ ”لُتَخْ“ ﴿وَلَا تَعْتَدُّوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾[البقرة، 190] . وَقَدْ جَرَى حَدِيثٌ بَيْنِي وَبَيْنَ قَائِدَنَا الْعَظِيمِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ التَّجَانِي. جَرَى بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَدِيثٌ حَوْلَ مَسْأَلَةِ السَّيْفِ وَالْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ فَي شَأْنِ السَّيْفِ: ”مَا أُخِذَ بِالسَّيْفِ لَا يُسْتَرَدُّ إِلَّا بِالسَّيْفِ“. لَكِنَّ الشَّيْخَ أَحْمَدَ أَجَابَ وَقَالَ يَا مُصْطَفْ: ”لَكِنْ مَا أُخِذَ بِسَيْفٍ كَيْفَ يُسْتَرَدُّ بِالسَّيْفِ؟“ - شَيْءٌ مُهِمٌّ جِدًّا يَعْنِي – ”مَا أُخِذَ بِالسَّيْفِ لَا يُسْتَرَدُّ إِلِّا بِالسَّيْفِ“. فَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ: ”وَلَكِنْ يَا مُصْطَفْ مَا أُخِذَ بِسَيْفٍ كَيْفَ يُسْتَرَدُّ بِالسَّيْفِ؟“. وَهَذَا حِينَ يَكُونُ الْإِثْمُ أَكْبَرَ مِنَ النَّفْعِ. سِيَّمَا وَثَمَّتَ خَيْرَاتٍ لَا تَأْتِي بِغَيْرِ مَحْصُولِ الشَّرِّ ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾[النساء، 19] .

12

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾[العنكبوت، 69] – يَحْتَاجُ إِلَى تَوْعِيَةٍ أَوْ يَحْتَاجُ إِلَى أُذْنٍ وَاعِيَةٍ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾[العنكبوت، 69] . فَكَلِمَةُ الْجِهَادِ هَذَا - يَعْنِي الْجِهَادُ - تَحْتَاجُ -يَعْنِي الْكَلِمَةَ - إِلَى تَفْسِيرٍ عِلْمِيٍّ وَإِلَى تَحْلِيلٍ فَلْسَفِيٍّ تَعُمُّ جَوَانِبَهَا الْمُتَعَدِّدَةَ. فَجِهَادُ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَسُلِبُوا أَمْوَالَهُمْ غَيْرُ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَكْمُلُ مَا لَمْ يَكْمُلِ الْجِهَادُ فِيهِ. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾[العنكبوت، 69] . وَالْجِهَادُ فِيهِ أَيْضًا لَا يَعْنِي الْجِهَادُ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ. تِلْكَ مَرَاحِلَ أَرْبَعَةٍ وَلِكُلٍّ مِنْهُ شِرْعِيَّتُهُ وَمِنْهَاجُهُ يَعْرِفُهَا مَنْ يَعْرِفُهَا وَيَجْهَلُهَا مَنْ يَجْهَلُهَا.

13

فَنَعَمْ أَدْرَكْنَا عَصْرًا أَصْبَحَتْ أَمِرِيكَا سَيِّدَةَ الْعَالَمِ وَذَلِكَ بِحَقِّ نُفُوذِهَا وَسَيْطَرَتِهَا كَطَاقَةٍ كُبْرَى. وَأَصْبَحَتْ أُورُوبَّا سَيِّدَةَ الْعَالَمِ وَذَلِكَ بِحَقِّ نُصُوصِهَا وَمَوَاثِيقِهَا بِاسْمِ الْحِلْفِ الْأَطْلَنْطِيِّ. وَأَصْبَحَتْ صِينِيَا سَيِّدَةَ الْعَالَمِ وَذَلِكَ بِحَقِّ سِلْعِهَا وَتِجَارَتِهَا. وَأَصْبَحَتْ إِسْرَائِيلُ وَكَأَنَّهَا سَيِّدَةُ الْعَرَبِ وَذَلِكَ بِحَقِّ قُوَّتِهَا وَأَسْلِحَةِ دِمَارِهَا الشَّامِرِ. وَأَصْبَحَتْ إِفْرِيقِيَا مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ وَكَأَنَّهَا عَبِيدَةُ الْعَالَمِ بِحَقِّ جُوعِهَا وَفَقْرِهَا. وَقَدْ تُبْطَلُ لَدَيْهَا الصَّدَقَاتُ إِمَّا مَنًّا أَوْ أَذًى. وَقَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِ الْجَمِيعِ إِذَاعَةً وَتَلَفِزُّيُونًا وَصُحُفًا وَجَرَائِدَ سَوَاءٍ كَانَتْ كَلِمَاتٍ أَوْ كَانَتْ كَارِيكَاتُورَاتٍ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾[الكهف، 5] .

14

وَهَكَذَا نَجِدُ مَكْتُوبًا فِي جَرِيدَةِ ”كُورِيِ إِنْتِرْنَسِيُنَالْ“ رَقْمَ 735 مَا يَلِي: ”الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا هُمْ مَجَانِينَ الْإِلَهِ“. وَهَكَذَا أَيْضًا نُشَاهِدُ فِي التَّلْفَزَةِ آلَافًا مُؤَلَّفَةً مِنَ الْأَنَاجِيلِيِّينَ خَرَجُوا فِي الْقُدْسِ الْمُحْتَلَّةِ يَوْمَ خَمْسَةَ عَشَرَ أُكْتُوبَرْ عَامَ 2004 خَرَجُوا اِحْتِجَاجًا عَلَى التَّوْرَاتِيِّينَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ الَّذِينَ انْسَحَبُوا مِنْ ضَفَّةِ غَزَّةَ لِصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فِي فَلَسْطِينَ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ عَوْدَةَ الْيَهُودِ إِلَى أَرْضِ الْمِيعَادِ، يَعْتَبِرُونَهَا شَرْطًا أَسَاسِيًّا لِعَوْدَةِ الْمَسِيحِ.

15

فَنَعَمْ ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾[يس، 20] ، لَكِنْ مَنْ هُمْ هَؤُلَاءِ الْمُرْسَلُونَ هَذِهِ الْمَرَّةَ ؟ إِنَّ الَّذِينَ تَوَارَثُوكِ عَلَى الْهَوَى بَعْدَ ابْنِ هِنْدٍ طَالَمَا قَدْ كَذَّبُوكِ لَمْ يَلْبَسُوا بُرْدَ النَّبِيِّ وَإِنَّمَا لَبِسُوا طُقُوسَ الرُّومِ إِذْ لَبِسُوكِ ”كُنَّكْ“ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ. أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا. ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾[محمد، 7-11] .

16

فَمُشْكِلَةُ الشَّرِّ إِذَنْ هِيَ مُشْكِلَةُ الْمَشَاكِلِ. وَقَدْ يَدُورُ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ فِيهِ عَلَى مِحْوَرٍ قَدِيمٍ وَحَدِيثٍ. وَلَا يَزَالُ الْبَابُ مَفْتُوحًا لِلسَّائِلِ وَالْمُجِيبِ سَوَاءٍ اليَوْمَ أَوْ غَدًا. وَحِينَ سَأَلَ سَائِلٌ بِالْعَذَابِ الْوَاقِعِ مِنْ أَيْنَ يَأْتِي الشَّرَّ إِلَى عَالَمِنَا هَذَا، وَاللهُ خَالِقُهُ عَفُوٌّ غَفَورٌ؟ مِنْ أَيْنَ يَأْتِي ؟ فَأَجَابَ الْبَعْضُ بِأَحْسَنِ مَا يَكُونُ مِنْ عَبَارَةٍ: ”هَلِ النَّاسُ يَقْبَلُونَ الْيَوْمَ مِنَ الْحَاكِمِ الْخَالِقِ مَا يَقْبَلُونَهُ أَمْسِ مِنَ الْحَاكِمِ الْمَخْلُوقِ؟“ ﴿مَا أَغْنَى عَنِّى مَالِيَهْ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾[الحاقة، 28-29] ، وَهَذَا مِنْ مُعَاوَيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي بَغْدَادَ.

17

وَهَكَذَا يَرَى أَرْبَابُ الْفَضْلِ وَأَهْلُ الذِّكْرِ الَّذِينَ يَقَدِّرُونَ لِكُلِّ شَيْءٍ تَقْدِيرَهُ الْمُنَاسِبَ، يَرَوْنَ أَنَّ الشَّرَّ لَا وُجُوَدَ لَهُ بِذَاتِهِ. وَإِنَّمَا غِيَابُ الْخَيْرِ أَوْ نَقْصُهُ هُوَ السُّمُّ الْقَاتِلُ. فَالشَّرُّ وَهْمٌ يَزُولُ وَلَا بَقَاءَ لَهُ مَعَ الْخَيْرِـ ”كُنْ“ ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾[البقرة، 148] . وَمَنْ هُنَا يَكُونُ دَوْرُ جَمَاعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَعَّالًا وَمُثْمِرًا ِلِلْغَايَةِ. فَالْجَمَاعَاتُ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِسْلَامِ هُمْ أَشْبَهُ بِالْكَوَاكِبِ الشَّمْسِيَّةِ، وَكُلُّ كَوْكَبٍ يَدُورُ فِي فَلَكٍ لَهُ وَلِكُلٍّ مِنْه حَجْمُهُ وَطَبِيعَتُهُ.

18

فَتَبْقَى الْمَسْأَلَةُ هِيَ مَسْأَلَةُ التَّجَارُبِ، تَجَارُبِ الدَّعْوَةِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ خَاتِمِ النَّبِيِّينَ. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾[الحجرات، 7] . وَآيَةً أُخْرَى ﴿يَا بُنَيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾[يوسف، 76] . لِمَاذَا؟ وَهَذَا تَجَنُّبًا لِلْحَسَدِ بَيْنَهُمْ أَوَّلًا، تَجَنُّبًا لِلْحَسَدِ بَيْنَهُمْ مَرَّةً، وَاسْتِعْمَالُ الْأَسَالِيبِ الْمُخْتَلِفَةِ حَسْبَ الزَّمَانِيَّاتِ وَالْمَكَانِيَّاتِ مَرَّةً أُخْرَى. ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٍ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾[التوبة، 122] . هَذِهِ تَجْرِبَةٌ. وَتَجْرِبَةٌ أُخْرَى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُومِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾[هود، 36].

19

وَفِي آيَةِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ...﴾[البقرة، 6] وَقَالَ قَائِدُنَا الْعَظِيمُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ: ”سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ لَا عَلَيْكَ“، ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[البقرة، 6] . وَآيَةٌ أُخْرَى لَهَا أَهَمِّيَةٌ قُصْوَى فِي شَأْنِ الدَّعْوَةِ وَالْقُدْوَةِ وَفِي شَأْنِ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾[المؤمنون، 51] . وَآيَةٌ أُخْرَى ”وَايْ وَايْ“ ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[آل عمران، 139] . وَهَذَا الْعُلُوُّ لَا يَعْنِي رَبْطُ الْعَقِيدَةِ وَالْحُكْمِ فِي حُدُودٍ جُغْرَافِيَّةٍ وَفِي حُدُودٍ جُغْرَافِيَّةٍ فَحَسْبُ. ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾[التوبة، 100] ، وَالْهِجْرَةُ أَوْسَعُ مِنْ مَكَّةَ وَالنُّصْرَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْمَدِينَةِ. فَلِمَاذَا يَوْمُ سَقِيفَةٍ، ”مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ“. لِمَاذَا؟

20

فَالْخَاتِمَةُ هِيَ: إِنَّ الْفِكْرَةَ الْعَظِيمَةَ وَالْعَقِيدَةَ الرَّاسِخَةَ مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْحَبَّةِ الطِّبِيَّةِ. فَمِنْهَا مَا لَا تَشْرَبُ قَطُّ مَعَ جُرْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنَّمَا تُشْرَبُ بِكَأْسٍ مَلِيءٍ بِالْمَاءِ وَالْمَاءِ الْعَذْبِ. فَالْعَقِيدَةُ الرَّاسِخَةُ أَيْضًا لَا تُسْتَكْمَلُ قَطُّ بَيْنَ عَشِيَّةٍ أَوْ ضُحَاهَا. إِنَّ أَبْوَابَ الْعَقِيدَةِ لَازِمَةٌ قَرْعُهَا، وَلَكِنْ بِيَدِ الضَّمِيرِ، وَلَكِنْ بِيَدِ الْبَصِيرَةِ. سِيَّمَا وَ﴿الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾[القيامة، 14-15] . وَعِنْدَ مَا تَقْرَعُ أَبْوَابَ الْعَقِيدَةِ بِهَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ فَسَيَدْخُلُ الدِّينُ الْقُلُوبَ وَالْعُقُولَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ. ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾[الشورى، 52] .

21

فَقَدْ عَاشَ مُنْذُ أَلْفِ سَنَةٍ أَوْ يَزِيدُ، إِنْسَانٌ يُسَمَّى إِبْرَاهِيمُ وَبَعْدَ أَلْفِ سَنَةٍ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ، بَقِيَ فِي الْعَالَمِ رِجَالٌ هُمْ أَشْبَهُ بِالْخَلِيلِ. وَرُبَّمَا كَانُوا خَيْرًا مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ، يَسْتَرْشِدُ بِرُشْدِهِمُ الْمُسْتَرْشِدُونَ كَمَا يَهْتَدِي بِهَدْيِهِمُ الْمُهْتَدُّونَ وَلَا يَزَالُونَ مَاضِينَ وَحَاضِرِينَ إِلَي يَوْمِ الْبَعْثِ. ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسُ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾[الرعد، 17] . وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.