Markaz App

جامعة رمضان 2007م – 1428هـ : الدرس الأول

UR 2007 - Cours 1

1

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ. الْعَالَمُ يَسْأَلُ وَالْمُسْتَرْشِدُ يُجِيبُ، وَأَيُّ مُسْتَرْشِدٍ هَذَا؟ ”مُمِلْنَ“ فِي الْبَدْءِ كَانَ الْاِصْطِفَاءُ ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾[آل عمران، 33] ، بِمَا فِي الْاِصْطِفَائِيَّةِ مِنْ حُجَّةٍ إِلَهِيَّةٍ وَإِرَادَةٍ رَبَّانِيَّةٍ. ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[الإسراء، 15] ، هَذِهِ فِي الْمَرْحَلَةِ الْأُولَى. لَكِنْ فِي الْمَرْحَلَةِ الْأُخْرَى، لَقَدْ أَصْبَحَتِ الْاِصْطِفَائِيَّةُ وَكَأَنَّهَا نَوْعٌ مِنَ الْاِخْتِيَارِيَّةِ بِمَا فِي الْاِخْتِيَارِيَّةِ مِنْ مَعَايِيرَ إِنْسَانِيَّةٍ وَخُلُقِيَّةٍ. ذَلِكَ أَنَّ الْجَوْرَ وَالظُّلْمَ لَيْسَا ضَمَانًا مِنَ الْهِدَايَةِ وَالْإِصْلَاحِ.

2

وَ﴿أَوْرَثْنَا الْكِتَابِ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾[فاطر، 32] ، ”مَلَرَزْمَا“ ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾[فاطر، 32] ، ”تِنَكْ“ ﴿وَلَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾[البقرة، 124] . ”بَجَدِسْ“ ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ...﴾[النحل، 9] ”وَايِنَكْ مَلَرَزْمَا“ ﴿...وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾[النحل، 9] . هَذِهِ الْأُخْرَى هِيَ الَّتِي ضَلَّتْ فِي طَرِيقِهَا تِلْكَ الْأُمَمُ الْمَلْعُونَةُ ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا...﴾[الأعراف، 38] ”كُنَّكْ“ ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾[الأعراف، 38] .

3

وَإِنْ كَانَتْ أُمَمٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ، فَإِنَّ مَسْأَلَةَ الْاِخْتِيَارِيَّةِ حَلَّتِ الْيَوْمَ مَحَلَّ الْاِصْطِفَائِيَّةِ. ”بُرْ لَنْ“ ﴿لَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾[الأنفال، 42] . وَإِنَّ كَلِمَةَ الْإِرَادَةَ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِي الْآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ وَعَلَى لِسَانِ الْجِنِّ ﴿وَإِنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾[الجن، 10] . هَذِهِ الْكَلِمَةُ قَدْ تُفْرِضُ عَلَى طَرَفٍ مِنَ النَّاسِ وَضْعَ الْحُجَّةِ، وَذَلِكَ لِأَدَاءِ الْجَوَابِ الْمُنَاسِبِ أَمَامَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْكَوْنِيَّةِ وَالْعَالَمِيَّةِ. وَإِنَّ مِمَّا يُرِيدُ اللهُ عَزَّ وَجَّلَ أَنْ يَكُونَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ هُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ”كُنَّكْ“ ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾[البقرة، 186] ”دَكِينْدِ جَانْ أَيْجَبُوكْ“ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عَبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي...﴾[البقرة، 186] ”وَايِنَكْ“ ﴿...فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي...﴾[البقرة، 186] ”دَبُورْ“ ﴿...وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾[الحجرات، 7] .”بَتَيْ“ ﴿وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ .

4

وَهَكَذَا انْطَلَقَ رَتْبُ الْمُسْتَرْشِدِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَفِي كُلِّ جِيلٍ فَإِذَا هِيَ فِي مَرِّ السِّنِينَ يَأْخُذُ أَسْمَاءً عِدَّةً، لِيَعْمَلَ كُلٌّ عَلَى شَاكِلَتِهِ وَحَسْبَ مُقْتَضَيَاتِ زَمَانِهِ فِي عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ وَبَنِيهِ. وَفِي عَهْدِ مُوسَى وَقَوْمِهِ كَانَ الْفَرْدُ مِنَ الْمُسْتَرْشِدِينَ نَائِبًا عَنِ الْجَمَاعَةِ ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾[النحل، 120] . وَفِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ كَانَتِ الْجَمَاعَةُ مِنَ الْمُسْتَرْشِدِينَ نَائِبَةً عَنِ الْفَرْدِ. وَوَرَاءَ كُلٍّ مِنْ هَذَهِ الْمَسْأَلَةِ الْفَرْدِيَّةِ وَالْجَمَاعِيَّةِ حِكْمَةٌ إِلَهِيَّةٌ؛ حِكْمَةٌ لِصَالِحِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَحِكْمَةٌ لِصَالِحِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَحِكْمَةٍ لِصَالِحِ السُّمُوِّ وَالتَّرَقِّي، وَحِكْمَةٌ لِصَالِحِ الْهِدَايَةِ وَالْاِسْتِقَامِةِ.

5

وَإِنَّهُ لَمِنْ حَظِّ عَالَمِنَا هَذَا أَنْ تَكُونَ وَسَائِلُ النُّفُوذِ الْعَالَمِيِّ مَقْرُونَةً بِوَسَائِلِ الْمُقَاوَمَةِ الْعَالَمِيَّةِ. سَوَاءٍ كَانَتِ الْقَضِيَّةُ قَضِيَّةً تَخُصُّ بَعْضَ الْأُمَمِ أَوْ تَخُصُّ كُلَّ الْأُمَمِ. وَقَدْ وَجَدَتْ لِهَذِهِ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ وَسَائِلُ الْمُقَاوَمَةِ لِهَذَا النُّفُوذِ - وَجَدَتْ يَوْمَ وَجَدَتْ تِلْكَ الْوَسَائِلُ - وَتَحْتَ حِمَايَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسِ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾[البقرة، 251] . وَقَدْ كَانَتْ لِتِلْكَ الْمُقَاوَمَاتِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَفِي كُلِّ أُمَّةٍ قُوَّةٌ غَيْبِيَّةٌ وَمَنْعٌ إِلَهِيٌّ يُعْتَرَفُ بِهَا فِي الوَاقِعِ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْتَرَفُ بِهَا فِي النُّصُوصِ وَالْمَوَاثِيقِ. وَإِنَّ حُقُوقَ الْإِنْسَانِ لَيْسَتْ هِيَ هَذِهِ الْمَوَاثِيقَ الَّتِي تُتْلَى مِنْ أَعْلَى الْمَنَابِرِ، إِنَّمَا هِيَ تِلْكَ الْحُقُوقُ الَّتِي خَطَّتْهَا الْأُمَمُ الْحُرَّةُ، خَطَّتْهَا بِدُمُوعِهَا، خَطَّتْهَا بِعُرُوقِهَا، خَطَّتْهَا بِدِمَائِهَا. وَذَلِكَ أَنْ كَانَتْ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ مَذَاهِبُ هَدَّانَةً أَخَذَتِ الْاِتِّجَاهُ بِالضَّمَائِرِ وَسِيلَةً مِنْ وَسَائِلِهَا. تِلْكَ الْمَذَاهِبُ الَّتِي آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ بِأَنَّ الدِّينَ أُفْيُونُ الشَّعْبِ، بَلْ إِنَّ الدِّينَ فِي نَظَرِهِمْ مُخَدِّرَاتٌ رُوحِيَّةٌ تَطْغَى عَلَى كُلِّ الْأَجْسَامِ.

6

وَقَدْ سُئِلَ الْحَكِيمُ: ”هَلْ تُفْرَضُ فِي الدِّينِ مُعَارَضَةٌ“ فَأَجَابَ ”لَا حَاجَةَ، فَالنِّفَاقُ أَكْبَرُ مُعَارَضَةٌ فِي الدِّينِ“. وَلَقَدْ سَأَلَ الْقَائِدُ الْعَظِيمُ سَيِّدُنَا الْكَبِيرُ الْمَعْرُوفُ بِأَحْمَدَ التِّجَانِي سَأَلَ سُؤَالًا يُلْفِتُ النَّظَرَ وَالْاِنْتِبَاهَ فَقَالَ: ”هَلْ مِنْ وَاجِبِ الرِّسَالَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَنْ تَخْطُو خُطُوَاتِ أُولَئِكَ الْأَقْوِيَاءِ الَّذِينَ لَا يَقْبَلُونَ الْحَيَاةَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا مَمْلُوءَةً بِالْمَظَالِمِ، بَلْ لَا يَشْغَلُهُمْ إِلَّا إِحَاطَةُ الْبِلَادِ بِأَسْلِحَةِ دَمَاءٍ شَامَّةٍ. وَذَلِكَ كَيْ تَخْضَعُ لَهُمْ الشُّعُوبُ الْمُسْتَضْعَفُونَ أَوْ تَنْقَادُ لَهُمْ الدُّوَلُ الْفَقِيرَةُ. أَمْ مِنْ وَاجِبِ الرِّسَالَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَنْ تَأْخُذَ الطَّرِيقَ الْوَسَطَ لِتَكُونَ فِيهَا أُمَّةً وَسَطًا ؟“ سِيَّمَا وَقَدْ أَدْرَكْنَا عَصْرًا الزَّمَانُ فِيهِ أَشْبَهُ بِالزَّمَانِ الْمَيِّت. وَإِنَّ التَّغَيُّرَاتِ الْيَوْمِيَّةِ وَالْأَحْدَاثَ الْعَالَمِيَّةَ تَقْتَضِيَانِ مِنْ دُعَاةِ الْمُسْلِمِينَ الْعَوْدَةُ إِلَى الْبِدَايَةِ. وَهَذَا بَعْدَ أَنْ وَصَلَ الْإِسْلَامُ فِي حِينٍ مِنَ الدَّهْرِ إِلَى تِلْكَ النِّهَايَةِ، حَيْثُ كَانَتْ ذُرْوَةُ الْمَجْدِ وَالْإِتْمَامِ وَالْكَمَالِ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾[المائدة، 3] . فَجَاءَ مِنْ ذَلِكَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا.

7

لَكِنَّ التَّارِيخَ هُوَ التَّارِيخ، فَمِنْهُ مُتَّصِلٌ يُفْرِضُ التَّعَارُفُ وَمِنْهُ مُنْفَصِلٌ يُفْرِضُ عَلَى الدُّعَاةِ وَعَلَى الْمَسْؤُولِينَ عَلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَأْتُوا بِخَيْرٍ مِنْهُ. ذَلِكَ أَنَّ الْإِصْلَاحَ لَا يُبْنَى عَلَى الظَّنِّ وَلَا يُبْنَى عَلَى الْخَيَالِ، وَإِنَّمَا يُبْنَى بِاسْتِثْمَارِ الْآيَاتِ الَّتِي نَرَاهَا حِينًا فِي الْآفَاقِ وَحِينًا آخَرَ فِي الْأَنْفُسِ. وَإِنَّ رَسُولَ الْإِسْلَامِ قَدْ نَجَحَ نَجَاحًا بَاهِرًا فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعٍ: - أَوَّلًا: فِي تَعَايُشِ الْأَرْوَاحِ مَعَ الْأَجْسَامِ، - ثَانِيًا: فِي تَعَايُشِ الْعُلُومِ مَعَ الْمَعَارِفِ - ثَالِثًا: فِي تَعَايُشِ الْحَضَارَاتِ مَعَ الثَّقَافَات.

8

فَيَقُولُ الْقَائِدُ الْعَظِيمُ بِدِلَالَةٍ قَاطِعًَةٍ: ”إِنَّ التَّطَوُّرَ حَقِيقَةٌ مِنَ الْحَقَائِقِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تَسْتَوْلِي عَلَى الْإِنْسَانِ وَعَلَى الْمُجْتَمَعِ، بَلْ هُوَ قَانُونٌ مِنَ الْقَوَانِينِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ وَلَا لِلْمُجْتَمَعِ أَنْ يَطْغَى عَلَيْهَا“. ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾[آل عمران، 140] . لَكِنَّ التَّطَوُّرَ بِالْمَفْهُومِ الْقُرْآنِيِّ لَا يَعْنِي الْاِنْقِيَادُ إِلَى جَدِيدٍ وَإِلَى كُلِّ جَدِيدٍ، وَإِنَّمَا التَّطَوُّرُ هُوَ كَلِمَةُ الْبَسْطِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْكِتَابِ الْمُبِينِ: بَسْطَةٍ فِي الْعِلْمِ بِاسْمِ الثَّقَافَةِ، وَبَسْطَةٍ فِي الْجِسْمِ بِاسْمِ الْحَضَارَةِ، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾[الأنعام، 38] ، ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾[الكهف، 24] . أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُسْتَرْشِدُونَ. وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.