جامعة رمضان 2010م – 1431هـ : الدرس الرابع
UR 2010 - Cours 4
إِخْوَةَ الْإِيمَانِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ. لَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْآرَاءُ وَالْمَذَاهِبُ، فَأَخَذَ الْبَعْضُ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْإِنْسَانِ الْإِلَهِيِّ أَوِ الْإِنْسَانِ الْكَامِلِ، وَذَلِكَ بَعْدَ تِلَاوَةِ آيَةِ الْقُرْآنِ ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾[النساء، 28] . ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ - لَدَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَصَوِّفِينَ - الْإِنْسَانُ نُسْخَتَانِ، نُسْخَةٌ بَاطِنَةٌ وَنُسْخَةٌ ظَاهِرَةٌ. فَالنُّسْخَةُ الظَّاهِرَةُ هِيَ تِلْكَ الَّتِي تُضَاهِي حَضْرَةَ الْكَوْنِ وَالْعَالَمِ. أَمَّا النُّسْخَةُ الْبَاطِنَةُ، فَهِيَ مُضَاهِيَةٌ لِلْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ. فَكَانَ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ، الْخَطَّ الْفَاصِلَ بَيْنَ الْحَضْرَتَيْنِ. وَتَزْعَمُ أَنَّكَ جُرْمٌ صَغِيرٌوَفِيكَ انْطَوَى الْعَالَمُ الْأَكْبَرُفَلَا ذَرَّةٌ مِنْكَ إِلَّا وَبِهَايُوزَنُ الْكَوْنُ بَلْ أَكْثَرُوَلَا قَطْرَةٌ مِنْكَ إِلَّا وَفِييَنَابِيعِ أَسْرَارِهَا أَبْحُرُ.
فَكَانَتِ الْعَلَاقَةُ إِذَنْ، بَيْنَ الْإنْسَانِ وَبَيْنَ تِلْكَ الْحَضَرَاتِ عَلَاقَةً مُتَعَدِّدَةَ الْجَوَانِبِ. فَلِلشَّريعَةُ مِنْهَا نَصِيبٌ، وَلِلْحَقِيقَةِ مِنْهَا نَصِيبٌ، وَلِلْفِطْرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ مِنْهَا نَصِيبٌ. ”كُنَّكْ“، ”مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ“. وَهَكَذَا يَنْطَلِقُ الْإِنْسَانُ خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ كَيْمَا يَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ. وَلِكُلِّ خُطْوَةٍ أَصْنَافٌ، وَلِكُلِّ صِنْفٍ خِيَارٌ، وَلِكُلِّ خِيَارٍ رِجَالٌ.
وَهَكَذَا اخْتَلَفَتِ الْمَوَارِدُ وَالْمَشَارِبُ. ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُ﴾[الأعراف، 160] . وَقَدْ تُشِيرُ الْآيَةُ إِلَى أَنَّ هُنَاكَ كَلِمَاتٌ تَنْطِقُ تَارَةً بِالنَّوْعِيَّةِ، وَتَارَةً أُخْرَى تَنْطِقُ بِالْجِنْسِيَّةِ، إِمَّا بِاسْمِ الْخَيْرِيَّةِ، أَوْ بِاسْمِ الْفَضْلِيَّةِ. هَذِهِ الْكَلِمَاتُ إِذَنْ، قَدْ تَنْخَرِطُ فِي سِلْكِ الْجَوَازِ. مَا جَعَلَ التَّكْلِيفَ عَلَى وَجْهَيْنِ، التَّكْلِيفُ الْمُقَيَّدُ هُوَ لِلْعَبْدِ، وَالتَّكْلِيفُ الْمُطْلَقُ هُوَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾[البقرة، 186] . وَهَكَذَا يَنْتَقِلُ التَّكْلِيفُ مِنَ الْمُقَدَّسِ إِلَى السِّيَاسِيِّ.
وَحِينَ يَقُولُ الرَّسُولُ ”كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ“، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ - سِيَاسِيًّا - أَنْ يَمْلِكَ الرَّاعِي كُلَّ مَا لِلرَّعِيَّةِ، يَعْنِي دَمَهُ وَعِرْضَهُ وَمَالَهُ. سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْعُصْفُورَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: ”يَا رَبِّ! سَلْ هَذَا لِمَ قَتَلَنِي عَبَثًا؟“، وَيَقُولُ الشَّجَرُ: ”يَا رَبِّ! سَلْ هَذَا لِمَ قَطَعَ غُصُونِي وَأَوْرَاقِي لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ؟“، وَيَقُولُ الْحَجَرُ: ”يَا رَبِّ! سَلْ هَذَا لِمَ نَقَلَنِي مِنْ مَوْضِعِي لِغَيْرِ فَائِدَةٍ؟“. إِنَّهُ عَذَابٌ وَاقِعٌ، لَيْسَ لَهُ مِنَ اللهِ دَافِعٌ. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانُ. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾[الرحمن، 31-32] . لَكِنَّ الْفَرَاغَ الْإِلَهِيَّ بَاقٍ لِلْأَجْنَاسِ دُونَ الْأَنْوَاعِ ”مُوتَخْ“ ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾[الصافات، 61] ، هَذَا مِنْ جِهَةٍ، وَفِي مِثْلِ هَذَا ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾[المطففين، 26] ، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا. ”كُنَّكْ“ ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[البقرة، 16] [ص، 39]. وَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ يَقُولُ ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ، فَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى فَشَلِ الْجَانِبَيْنِ، جَانِبِ الْعَامِلِينَ ”فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ“، أَوْ جَانِبِ الْمُتَنَافِسِينَ ”وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ“.
فَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، عِنْدَمَا يَتَنَاوَلُ الْعِبَارَاتِ الْاِسْتِثْنَائِيَّةَ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهَا عَنْ طَرِيقِ الْعَنَاوِينِ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُهَا عَنْ طَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّاتِ الْأَخْلَاقِيَّةِ، سَوَاءٍ مِنْ طَرَفِ رَجُلِ الدَّوْلَةِ أَوْ مِنْ طَرَفِ رَجُلِ الثَّرْوَةِ وَالْأَعْمَالِ أَوْ مِنْ طَرَفِ رَجُلِ الدِّينِ. فَيَقُولُ سِيِّدُ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ مُخَاطِبًا لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ: ”اِتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَاتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ“. مَا يُصَدِّقُ أَنَّ رَجُلَ الدَّوْلَةِ هِمَّتُهُ الصُّغْرَى هِيَ رَئَاسَةُ الْمُلْكِ، فَلَا يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ ”انْدَخْ“ ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾[النمل، 34] . وَرَجُلُ الثَّرْوَةِ وَالْأَعْمَالِ هِمَّتُهُ الصُّغْرَى هِيَ سَعَادَةُ الْمُلْكِ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾[الجمعة، 2]. وَرَجُلُ الدِّينِ هِمَّتُهُ الصُّغْرَى هِيَ أَنْ يُرَافِقَ الْأَخْلَاقَ بِتَعْلِيمٍ مِنَ السَّمَاءِ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَةَ وَالْحِكْمَةَ﴾ .
وَهَكَذَا يَتَنَاوَلُ الْقُرْآنُ مَا يُسَمَّى جِنْسِيَّةَ الرِّسَالَةِ. ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾[الإسراء، 95] . ”لُولُوتَخْ نَكْ“ ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾[الزحرف، 32] . لَكِنَّ التَّسْخِيرَ الْمَذْكُورَةَ هُنَا لَيْسَتْ مَسْأَلَةَ الدَّمِ، وَلَيْسَتْ مَسْأَلَةَ النَّسَبِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مَسْأَلَةَ الْفَوْقِيَّةِ وَلَا مَسْأَلَةَ التَّحْتِيَّةِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَخْلَاقٌ لَا أَغْلَاطٌ ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[الأحراب، 33] . إِنَّهُ شَرَفٌ دِينِيٌّ وَشَرَفٌ عِلْمِيٌّ وَشَرَفٌ طِينِيٌّ.
وَرُبَّمَا قِيلَ الْإِمَامَةُ أَقْصَاهَا الْإِمَامَةُ الْكُبْرَى ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾[البقرة، 124] ، وَأَدْنَاهَا الْإِمَامَةُ عَلَى الْجَوَارِحِ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾[النور، 30] . فُمُنْكَرُ الْحَالِ إِذَنْ مُقَدَّمٌ عَلَى مُنْكَرِ النَّصِّ، وَمَعْرُوفُ الْحَالِ أَيْضًا مُقَدَّمٌ عَلَى مَعْرُوفِ النَّصِّ. مَا جَعَلَ الشَّرْعِيَّةَ الْفِطْرِيَّةَ أَقْرَبُ إِلَى النَّاسِ مِنَ الشَّرْعِيَّةِ الْقَانُونِيَّةِ. وَقَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الْبَصَائِرِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ أَنَّ الْقِيمَةَ الْإِسْمِيَّةَ قَدْ تَنْفَعِلُ عَلَى الْقِيمَةِ الْفعْلِيَّةِ؛ مَا يُسَمَّى عِنْدَهُمُ اسْتِبْدَالٌ قِيمَةٍ بِقِيمَةٍ أُخْرَى.
وَالْقُرْآنُ حِينَ يَقُولُ ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾[الأحزاب، 72] ، فَلَيْسَ الْإِنْسَانُ هُوَ الْمَقْصُودُ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُوَ حَامِلُ الْأَمَانَةِ. ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾[آل عمران، 33] ، فَنَعَمْ ذُرِّيَةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، لَكِنَّ الْبَعْضُ مِنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِمْ، إِنَّهُمْ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٌ. فَالسِّيَادَةُ لِلْحُرُوفِ أَوَّلًا وَلِلْأَسْمَاءِ ثَانِيًا ثُمَّ لِلْأَشْخَاصِ ثَالِثًا، هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ. ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْملَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[البقرة، 30] ، هَذَا فِي عَهْدِ السَّمَاءِ. وَفِي عَهْدِ الْأَرْضِ ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص، 26]. وَهَكَذَا ﴿ظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص، 24]. وَذَلِكَ بَعْدَ حُكْمٍ عَاجِلٍ ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ. قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وِإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص، 23-24]. وَكُلُّ هَذَا، كَيْ لَا تَكُونَ قُدُسِيَّةُ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ مُنْطَوِيَةً عَلَى إِرَادَةِ الْإِنْسَانِ دُونَ إِرَادَةِ اللهِ.
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾[الفتح، 1] - يُخَاطِبُ رَسُولَ الْإِسْلَامِ - أَيُّ فَتْحٍ هَذَا؟ إِنَّهُ فَتْحُ الْمُكَاشَفَةِ أَوْ فَتْحُ الذَّوْقِ الْعِلْمِيِّ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾[الفتح، 2] . وَهَذَا هُوَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ يُكَلِّمُ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا وَيَقُولُ ”إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ“ إِذَنْ أُنْزِلَ الْإِنْجِيلُ ،”وَجَعَلَنِي نَبِيًّا“، وَأُنْزِلَتِ النُّبُوَّةُ، وَلَمْ يَقُلْ ”وَأَرْسَلَنِي رَسُولًا“. ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾[مريم، 30] . ”بَسْ“.
وَهَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ - لَا يُقُولُ ”جَعَلَنِي نَبِيًّا“- وَلَكِنْ يَقُولُ ”كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ“، وَلَمْ يَقُلْ ”كُنْتُ رَسُولًا“ إِلَى أَنْ جَاءَ الْوَحْيُ فَقَالَ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾[الأحزاب، 45-46] .
فَالْأَمْثَالُ إِذَنْ، وَالْأَشْبَاهُ وَالْأَنْدَادُ بَعِيدُونَ كُلَّ الْبُعْدِ عَنْ هَذَا النَّبِيِّ وَعَنْ ذَلِكَ الْإِلَهِ الْعَلِيِّ الْقَدِيرِ. فَآدَمُ – هَذَا، الرَّسُولُ هُوَ الْقَائِلُ- ”فَآدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي“ هَذَا، هُوَ الرَّسُولُ هُوَ الْقَائِلُ – ”فَآدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي“-. وَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ ”خَلَقْتُكَ مُتَّبَعًا لَا مُتَّبِعًا“ وَحَتَّى الْأَنْبِيَاءُ ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾[الأنعام، 90] لَا بِهِمْ. ”كُنَّكْ“ ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾[الأعراف، 155] .
وَقَدْ جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ هَذَا النَّصُّ الْمُرْهِبُ ”إِنَّ اللهَ رَبَّكُمْ غَيُورٌ مَطَالِبٌ بِذُنُوبِ الْآبَاءِ فِي الْأَبْنَاءِ تَارَةً بِالْأَوَائِلِ تَارَةً باِلثَّوَالِثِ وَتَارَةً بِالرَّوَابِعِ“. فَفِي آيَةِ الْاِصْطِفَاءِ مَثَلًا، مَا ذُكِرَ آلَ آدَمَ، وَمَا ذُكِرَ آلَ نُوحٍ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فَقَطْ آلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ. لِكِنَّ الْمُرَاجَعَةَ السَّمَاوِيَّةَ لِنُوحٍ نَجِدُهَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلِهِ وَمِنْ ذُرِّيَتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾[الأنعام، 84] . وَإِذْ يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ فِي حَقِّ ابْنِهِ ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾[هود، 46] ، ذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ الْإِلَهِيَّ أَبٌ وَالْقَبُولُ الْإِنْسَانِيُّ أُمٌّ، وَبِنِكَاحِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْآخَرِ، يَتَوَلَّدُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ. وَقَدْ ذَهَبَ الْمُؤَرِّخُونَ إِلَى الْاِشْتِرَاطَ الْأَرْبَعَةِ لِلْأَنْسَابِ، فَالْأَوَّلُ هُوَ الْبَانِي، وَالثَّانِي هُوَ الْمُبَاشِرُ الْمُجْتَهِدُ وَالثَّالِثُ هُوَ الْمُقَلِّدُ وَالرَّابِعُ هُوَ الْهَادِمُ. أَرَى أَلْفَ بَانٍ لَا يَقُومُ بِهَادِمٍفَكَيْفَ بِبَانٍ خَلْفَهُ أَلْفُ هَادِمِ.
وَالتَّارِيخُ لَا شَكَّ يُعِيدُ نَفْسَهُ بِنَوْعٍ أَوْ بِآخَرٍ ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾[النساء، 133] . وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾[إبراهيم، 19] . سِيَّمَا، وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ الْوَارِثُ الْحَقِيقِيُّ. فَتَعُودُ الْوِرَاثَةُ إِذَنْ، إِلَى مَا يُسَمُّونَهَا الْمُطْلَقَ وَشِبْهَ الْمُطْلَقِ. ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾[الزحرف، 22] ، هَذَا شِبْهُ الْمُطْلَقِ. ﴿قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾[الزحرف، 24] ، هَذَا هُوَ الْمُطْلَقُ، سِيَّمَا ﴿وَلَايَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾[هود، 118] .
فَكَانَ مِنْ عَشِيرَةِ مُحَمَّدٍ الْأَقْرَبِينَ مَنْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ رِسَالَتَهُ رَسِالَةٌ مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ أَفْرَادِ عَائِلَتِهِ. فَنَالُوا مِنْ ذَلِكَ، تَارَةً نَالُوا دَمَهُ وَتَارَةً نَالُوا عِرْضَهُ وَتَارَةً مَالَهُ. فَيَقُولُ السَّمَاءُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ يُسَكِّنُهُ، وَيَقُولُ ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾[الحجر، 97-98] . وَيَقُولُ لَهُ مَرَّةً أُخْرًى ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضِيقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾[النحل، 127] . وَيَقُولُ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى، ﴿فَأَعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾[النجم، 29] .
وَإِذَا كَانَ الْعَرَبُ يَقُولُونَ: ”رُبَّ أَخٍ لَمْ تَلِدْهُ أُمُّك“، وَيَقُولُ النَّبِيُّ: ”سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ“. ذَلِكَ أَنَّ كَلِمَةَ الْأَخِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْاِسْمِ الظَّاهِرِ، أَبًا أَوْ أُمًّا أَوْ هُمَا مَعًا. وَلَيْسَ لِلْاِسْمِ الْبَاطِنِيِّ هُنَا حُكْمٌ. فَإِنَّ الْبَاطِنَ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَا أَخَوَيْنِ لَأِبٍ وَاحِدٍ أَوْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ. فَيَقُولُ الْحَلَّاجُ مِنْ ذَلِكَ: وَلَدَتْ أُمِّي أَبَاهَا ”كُنَّكْ“ إِنَّ ذَا مِنْ عَجَبَاتِي. ”وَلَقَدْ أَلِفْتُ هُدَى الْخَلِيفَةِ قَبْلَ كَوْنِي جَنِينًا إِذْ أَرَاهُ وَإِذْ يَرَانِي بِنُورِ الْغَيْبِ“. ”كُنَّكْ“ لِكُلِّ شَخْصٍ مِنَ الْقُرْآنِ سُورَتُهُ وَسُورَتِي مِنْ كِتَابِ اللهِ تَنْزِيلُ
وَهَكَذَا نَرَى إِخْوَةُ يُوسُفَ فِي السُّورَةِ يُخْطِئُونَ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا أَرَادُوا وَضْعَ الْأَغْلَبِيَّةِ عَلَى الْأَكْثَرِيَّةِ. فَقَالُوا ﴿لِإِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾[يوسف، 14] ، وَقَدْ خَسِرُوا. فَلَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ وَاقِعِيًّا، وَإِنَّمَا ﴿جَاؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾[يوسف، 18] . وَهَكَذَا قَالَ الْأَبُ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾[يوسف، 18] . وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَقَيَّدُ بِعَدَدٍ وَلَا بِعِدَّةٍ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِعُمْرٍ وَلَا بِسِنٍّ ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾[مريم، 12] ، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهِمْ﴾[الطور، 21] . وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.