جامعة رمضان 2010م – 1431هـ : الدرس الثالث
UR 2010 - Cours 3
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ
فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ، نَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾[طه، 50] سَوَاءٍ كَانَتْ دَابَّةً فِي الْأَرْضِ أَوْ طَائِرًا يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ. لَكِنْ أَيْنَ الْإِنْسَانُ مِنْ هَذِهِ الْهِدَايَةِ؟ هَذَا الْإِنْسَانُ الَّذِي لَمْ يَكْنْ مَلَكًا، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ اللهُ رَجُلًا. لَكِنَّهُ أَسَاءَ الِْاخْتِيَارَ، وَذَلِكَ حِينَ فَضَّلَ الْمُتَغَيِّرَاتَ عَلَى الثَّابِتِ. فَاخْتَارَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلَ مَالٍ، أَوْ رَجُلَ أَعْمَالٍ.
وَإِذَا كَانَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ قَسَّمَ بَيْنَ النَّاسِ الْأَخْلَاقَ كَمَا قَسَّمَ بَيْنَهُمُ الْأَرْزَاقَ، ذَلِكَ أَنَّ الْأَخْلَاقَ غَيْرُ ثَابِتَةً. وَكَذَلِكَ الْأَرْزَاقُ هِيَ أَشْبَهُ بِالْمُضْغَةِ، وَالْمُضْغَةُ فِي الْمَنْطِقِ الْقُرْآنِيِّ قَدْ تَكُونُ مُخَلَّقَةً وَغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[الأنفال، 53].
لِذَا نَجِدُ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَذْكُرُ كَلِمَةَ النِّعْمَةِ إِلَّا وَيُذْكَرُ قَبْلَهَا كَلِمَةً مُشْتَقَّةً مِنْ كَلِمَتَيِ التَّمَامِ أَوِ الْكَمَالِ، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾[المائدة، 3]. وَفِي خِطَابِهِ لِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾[الفتح، 2] كَمَا يُخَاطِبُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾.
مَا جَعَلَ رَسُولَ الْإِسْلَامِ يَقُولُ مُحَذِّرًا: ”اُطْلُبُوا عَلَى قَضَاءِ الْحَوَائِجِ بِعِزَّةِ الْأَنْفُسِ“. وَإِنَّ عِزَّةَ الْأَنْفُسِ هَذِهِ، تَتَطَلَّبُ مِنَّا إِحَاطَتَهَا بِنَوْعٍ مِنَ الدِّرَاسَةِ وَالتَّحْلِيلِ. ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ.﴾[الشرح، 9-10] . وَالْيَتِيمُ هُنَا بِمَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ النَّفْسُ الَّتِي تَبَنَّاهَا الرُّوحُ وَالْجَسَدُ، وَالسَّائِلُ هُوَ الْعَقْلُ الَّذِي يَقْفُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمُ. وَعِنْدَئِذٍ تَتَصَدَّقُ النَّفْسُ بِمَا فِي النَّفْسِ مِنْ فُجُورٍ وَهَوًى وَحُبِّ الشَّهَوَاتِ، وَالْعَقْلُ كَذَلِكَ يَسْأَلُ وَإِنْ أُوتِيَ بِكُلِّ مَا سَأَلَ فَلَا يَزَالُ مَدَى الدَّهْرِ يَكُونُ سَائِلًا. فَالرُّوحُ إِذَنْ فِي طَرِيقِهِمَا - يَعْنِي طُرِيقِ النََّفْسِ وَالْعَقْلِ - أَحْوَجُ إِلَى خَيْرٍ كَثِيرٍ ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾[البقرة، 269] ”وَايِ نَكْ“ ﴿وَمَا يَذَكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[البقرة، 269] .
فَتَبْقَى الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةَ الْحُرِّيَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، عُبُودِيَّةٍ لِلَّهِ وَلِلَّهِ وَحْدَهُ. فَيُصْبِحُ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ حُرًّا وَمُعْتَقًا مِنْ قُيُودِ الْمَالِ وَالْأَرْزَاقِ، وَهَذَا دُونَ رِهْنٍ مَقْبُوضٍ. وَمَعْنَى كُلُّ هَذَا هُوَ أَنَّ إِضَافَةَ الْإِنْسَانِ بِالْفَقْرِ إِلَى رَبِّهِ أَفْضَلُ مِنْ إِضَافَتِهِ بِالْغِنَى إِلَى سَائِلِهِ.
فَالْفَقِيرُ شَاهِدَهُ الرَّحْمَنُ، وَالْغَنِيُّ شَاهَدَهُ النَّاسُ ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾[البقرة، 264] . فَالرَّبُّ الْأَعْلَى إِذَنْ يُعْطِي الْأَوْلَوِيَّةَ - أَوْ يُعْطِي الْأَسْبَقِيَّةَ - لِرُوحِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا يُعْطِيهَا لِكَثْرَةِ الدَّنَانِيرِ أَوْ قَلِيلِهَا. وَذَلِكَ عِنْدَمَا تَكُونُ الْكَثْرَةُ أَقْرَبُ إِلَى بَابِ الْفَقْرِ. ”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا“ يَقُولُ ”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا“ وَلَا يَقُولُ ”يَا أَيُّهَا الْأَغْنِيَاءُ“ ! ”كُنَّكْ“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ﴾[فاطر، 15]. إِذَا وُلِدَ الْمَوْلُودُ يَقْبِضُ كَفَّهُ، دَلِيلٌ عَلَى الْحِرْصِ الْمُرَكَّبِ فِي الْحَيِّ، وَبَسْطُهَا عِنْدَ الْمَمَاتِ مُوَاعِظًا ”أَلَا فَانْظُرُونِي قَدْ خَرَجْتُ بِلَا شَيْءٍ“ !
فَالْمِلْكِيَّةُ الْإِلَهِيَّةُ إِذَنْ مُقَسَّمَةٌ إِلَى أَقْسَامٍ: مِلْكُ اسْتِحْقَاقٍ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا، وَمِلْكُ أَمَانَةٍ لِمَنْ بِيَدِهِ أَمَانَةٌ، وَمِلْكُ وُجُودٍ لِمَنْ هُوَ مَوْجُودٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فِي الْأُولَى يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ، رَبِّي ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾[الشعراء، 78-80]. وَفِي الثَّانِيَةِ يَقُولُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾[الحديد، 7]. وَفِي الثَّالِثَةِ يَقُولُ:﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾[هود، 6] .
فَالْإِنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ الطَّوِيلَةِ أَوِ الْقَصِيرَةِ تَكُونُ غَالِبًا حَاجَاتُهُ مُرْتَبِطَةً مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ. وَعِنْدَئِذٍ قَدْ يَعِدُهُ الشَّيْطَانُ بِالْفَقْرِ وَيَأْمُرُهُ بِالْفَحْشَاءِ. وَلِكَيْ يَنْجُو الْإِنْسَانَ مِنْ تِلْكَ الْحَرْبِ الْعُدْوَانِيَّةِ مَعَ الشَّيْطَانِ فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ، وَفَرَضَ عَلَيْهِ الصَّدَقَةَ، كَيْمَا تَكُونَ الصَّدَقَةُ رُمْحَ صِدْقٍ فِي نُحُورِ الْبُخْلِ وَالشُّحِّ، وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضَرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحُّ ” ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[الحشر، 9]
فَالصَّدَقَةُ إِذَنْ صَدَقَاتٌ: صَدَقَةُ الشُّكْرِ، أَوْ صَدَقَةُ الْحَاجَةِ، أَوْ صَدَقَةُ الْقَرْضِ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾[التوبة، 103]. فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الَّذِي وَعَدَ بِتَضَاعُفِ الْأَجْرِ دُونَ مَبْلَغِ الْقَرْضِ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ إِذَنْ أَنْ يُقْرِضُهُ لِأَجْلِ التَّضَاعُفِ، بَلْ لِأَجْلِ الْأَمْرِ. ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾[البقرة، 264] ، سِيَّمَا هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ الْأَجْرِ وَالْجَزَاءِ. فَالْأَجْرُ دُنْيَوِيٌّ، وَيُقَالُ فِي نَفْعٍ دُونَ ضُرٍّ. ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يَنْفِقُ مَالَهُ رَئَاءَ النَّاسِ﴾[الإنسان، 12] . أَمَّا الْجَزَاءُ، فَإِنَّهُ يُقَالُ فِي النَّفْعِ كَمَا يُقَالُ فِي الضَّرِّ مَعًا ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾[الإسراء، 63] . وَآيَةٌ أُخْرَى: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾[القلم، 1-5] . وَهُنَاكَ جَزَاءٌ وِفَاقٌ، وَهُنَاكَ أَيْضًا الْجَزَاءُ الْأَوْفَى. أَمَّا الْأَجْرُ سَوَاءٌ كَانَ أَجْرَ الْعَامِلِينَ، أَوْ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ، أَوْ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، أَوْ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، فَإِنَّهُ يَتَفَاوَتُ قَدْرًا وَمِقْدَارًا. إِمَّا أَجْرٌ كَبِيرٌ، وَإِمَّا أَجْرٌ عَظِيمٌ، وَإِمَّا أَجْرٌ كَرِيمٌ، وَإِمَّا أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونَ. ﴿ن. وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ. مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونَ. وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ. وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
فَالْأَجْرُ الْمَمْنُونُ هُوَ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ أَجْرِ الْفَضَائِلِ وَأَجْرِ الْفَرَائِضِ، الْجَمْعُ بَيْنَ أَجْرِ الْفَرَائِضِ وَأَجْرِ الْفَضَائِلِ. فَالْوَظَائِفُ النَّفْسِيَّةُ إِذَنْ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَظَائِفِ الْعِمَلِيَّةِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ كَانَ يَخْرُجُ مُتَنَكِّرًا يَطُوفُ فِي الْآفَاقِ يَسْأَلُ النَّاسَ عَنْ سِيرَةِ دَاوُودَ فِيهِمْ. فَتُعَرَّضَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَى صُورَةِ الْآدَمِيِّ، فَسَأَلَهُ عَنْ سِيرَتِهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ”نِعْمَ الرَّجُلُ دَاوُودُ، وَنِعْمَ السِّيرَةُ سِيرَتُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْ كَدِّ يَدِهِ!“ فَيَرْجِعُ دَاوُودَ بَاكِيًا مُتَضَرِّعًا فِي مِحْرَابِهِ، يَسْأَلُ رَبَّهُ أَنْ يَعْلَمَهُ صُنْعَةً يَأْكُلُ مِنْهَا. ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صُنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾[الأنبياء، 80] ”بُولِجِيكِتْ“ ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ. أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾[سبأ، 10-11]. وَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ، كَانَتِ الْأَوْلَوِيَّةُ تُعْطَى لِلشَّرْعِ. لَأَنَّ الشَّرْعَ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِ النَّاسِ فِيمَا هُوَ مُغَيَّبٌ عَنْهُمْ لِأُمُورِ آخِرَتِهِمْ.
وَلَقَدْ قِيلَ أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدُ قَالَ لِشَقِيقِ الْبَلْخِيِّ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ: أَنْتَ شَقِيقُ الزَّاهِدُ؟ فَقَالَ لَهُ: ”أَمَّا شَقِيقٌ، فَنَعَمْ، وَأَمَّا الزَّاهِدُ، فَيُقَالُ لِي“. فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: ”عِظْنِي“، فَقَالَ لِهَارُونَ: ”يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ لِلَّهِ دَارًا سَمَّاهَا جَهَنَّمَ، وَجَعَلَكَ بَوَّابًا لَهَا، أَعْطَاكَ بَيْتَ مَالٍ، وَسَيْفًا قَاطِعًا، وَسَوْطًا مُوجِعًا، وَأَمَرَكَ أَنْ تُرُدَّ الْخَلْقَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ. فَمَنْ أَتَاكَ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَّةِ فَاعْطِهِ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ، وَمَنْ تَقَدَّمَ إِلَى نَهْيِ اللهِ فَأَوْجِعْهُ بِهَذَا السَّوْطِ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي اْلَأَرْضِ فَاقْتُلْهُ بِهَذَا السَّيْفِ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأَنْتَ السَّابِقُ وَالْخَلْقُ تَابِعٌ لَكَ إِلَى النَّارِ.“
وَكَيْ لَا يَزْعَمَ الزَّاعِمُونَ أَنَّ لَهُمْ حَقًّا فَوْقَ حُقُوقِ الْبَشَرِ، كَانَ رَسُولُ الْإِسْلَامِ ﷺ يَقُولُ: ”إِنِّي وَاللهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا، وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا، إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ“. وَقَدْ كَانَ مِنْ عَادَةِ الْأُمَرَاءِ، إِعْطَاءُ الشُّعَرَاءِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، إِمَّا خَشْيَةً مِنْ ذَمِّهِمْ، أَوْ طَمَعًا فِي مَدْحِهِمْ. وَحِينَ جَاءَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَنَعَ تِلْكَ الْهِبَّاتِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَقًّا كَحَقِّ السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. وَهَكَذَا يَرَى الْبَاحِثُونَ فِي الْاِقْتِصَادِ الْإِسْلَامِيِّ إِعَادَةَ النِّظَامِ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ حَذَرًا مِنْ عَدَمِ الْإِسَاءَةِ بِاسْتِخْدَامِ مَالِ اللهِ، كَمَا أَسَاؤُوا الْاِسْتِخْدَامَ بِخِلَافَةِ اللهِ، وَشَرِيعَةِ اللهِ. سِيَّمَا وَقَدْ أَدْرَكْنَا عَصْرًا فَشِلَ فِيهِ الْمُعَسْكَرُ الشُّيُوعِيُّ، كَمَا فَشَلَ فِيهِ الْمُعَسْكَرُ الرَّأْسَمَالِيُّ. ذَلِكَ أَنَّ الْمُعَسْكَرِينَ يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ الثَّرْوَةَ فِإِنَّهُ يَمْلِكُ الْقُوَّةَ وَالسُّلْطَانَ، مَا جَعَلَ الْقُرْآنَ يُحَذِّرُ أَصْحَابَ الثَّرَوَاتِ بِقَوْلِهِ: ”كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. وَمَعْنَى هَذَا هُوَ أَنَّ بِالْمَالِ أَيًّا كَانَ مَصْدَرُهُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا - يعَنْيِ مِنْ هَذَا الْمَالِ - يَنْضَبِطُ مِيزَانُ الْعَدْلِ. وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَعْقُولِ إِلْقَاءُ الرِّشْوَةِ وَإِبْدَالِهَا بِرِشْوَةٍ مِثْلِهَا، ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا. وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا….ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ ” كَلَّا وَكَلَّا، ﴿وَلَاتُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾[المدثر، 11-] . فَيَقُولُ السَّيِّدُ الرَّسُولُ:” كُلْ مَا شِئْتَ، وَالْبَسْ مَا شِئْتَ، مَا خِطْئَتُكَ اثْنَتَانِ: سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ“.
﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾[لقمان، 18] . وَالْمُخْتَالُ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ طَعَامَ الْوَاحِدُ يَكْفِي لِلْإِثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي لِلثَّمَانِيَّةِ. فَإِنَّ للهَ عَزَّ وَجَلَّ فَضْلًا وَمْكًرا مُتَقَابِلَيْنَ وَجْهًا لِوَجْهٍ؛ بِالْفَضْلِ يُحَاسِبُ الظَّوَاهِرُ، وَبِالْمَكْرِ يُحَاسِبُ الْبَوَاطِنُ. وَإِنَّ شَرَفَ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالثَّرْوَةِ شَرَفٌ عَارِضٌ لَا يَتَعَدَّى أَفْوَاهُ النَّاسِ، وَقَدْ يَمُرُّ مُرَّ السَّحَابِ، وَقَدْ يَزُولُ إِمَّا بِشَكْلٍ أَوْ بِآخَرٍ. وَمَهْمَا تَكُنِ الْيَدُ عَامِلَةً، فِإِنَّهَا إِنْ أَضْحَتْ عَابِثَةً، فَمَصِيرُ صَاحِبِهَا وَيْلٌ وَخُسْرَانٌ. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾[المؤمنون، 115] .
وَإِذَا كَانَتِ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرًا مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، فَلَيْسَ مَعْنَاهَا الْفَوْقِيَّةُ أَوِ التَّحْتِيَّةُ، وَلَكِنْ مَعْنَاهَا مِنْ تِلْكَ النِّيَّاتِ، وَذَلِكَ بِإِخْلَاصِ الطَّرْفَيْنِ. فَيَقُولُ الْإِمَامُ الْغَزَالِي ”مَثَلُ الْإِنْسَانِ فِي عُمْرِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَ يَبِيعُ الثَّلْجَ وَقْتَ الصَّيْفِ، وَالثَّلْجُ بِضَاعَةٌ مَزْجَاةٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ سِوَاهُ، فَأَصْبَحَ يُنَادِي وَيَقُولُ: ”اِرْحَمُوا مِنْ رَأْسِ مَالِهُ يَذُوبُ“. سِيَّمَا وَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ النَّارِ وَالْمَاءِ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ نَارَهُ بَرْدًا وَسَلَامًا، فَلْيُلْزِمْ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ. كُنَّكْ ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾[القصص، 83]. وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ