Markaz App

جامعة رمضان 2010م – 1431هـ : الدرس الثاني

UR 2010 - Cours 2

1

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ. إِنَّ انْقِلَابِ النُّبُوَّاتِ وَالْخِلَافَاتِ إِلَى مُلْكٍ أَوْ رَيَاسَاتٍ لَيْسَ حَدِيثًا، وَإِنَّمَا هُوَ قَدِيمٌ قِدَمَ التَّارِيخِ. لَمْ تَزَلِ السُّلْطَةُ الزَّمَنِيَّةُ تُعْتَبَرُ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ طَبِيعَةً ثَانَوِيَّةً لِلسُّلْطَةِ الْإِيمَانِيَّةِ، وَهَذَا بَعْدَ أَنْ صَارَتِ الْيَهُودِيَّةُ إِرْثًا تَتَقَاسَمُهَا الْعِائِلَاتُ مِنْ ذُرِيَّةِ هَارُونَ بَعْدَ مَضِيِّ أَرْبَعِ مِاْئَةِ سَنَةٍ. وَحِينَ وَصَلَ الْجَوْرُ وَالظُّلْمُ الْحَدَّ الْأَقْصَى اِنْقَلَبَتِ الْأَوْضَاعُ. مَا جَعَلَ الْقُرْآنُ يَحْكِي لَنَا قِصَّتَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَمْوَالِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾[البقرة، 246]

2

وَهَكَذَا الرِّوَايَاتُ التَّارِيخِيَّةُ أَيْضًا تَحْكِي لَنَا قَضِيَّةَ الدِّينِ النَّصَارَى - الدِّينِ الْمَسِيحِي - تَحْكِي لَنَا مَعَ ذَلِكَ قَضِيَّةِ الْعَذُوبَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَسَاقِفَةِ وَالْكَرَادِلَةِ الْكَاثُولُوكِيِّينَ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْمِيلَادِيِّ. وَكَيْفَ أَنَّ الثَّوْرَةَ تَطَوَّرَتْ حَتَّى تَأْسِيسَ الْبُرُوتِيسْتَانْتِيَّةِ فِي الْعُصُورِ الْمَاضِيَّةِ. وَهَكَذَا فِي عَهْدِ الْإِسْلَامِ، وَبَعْدَ مَضِيِّ الْأَرْبَعِينَ سَنَةٍ مِنَ الْخِلَافَةِ انْقَلَبَتْ إِلَى دَوْلَةٍ مُلْكِيَّةٍ تَدَاوِلَهَا الْأَمَوِيُّونَ ثُمَّ الْعَبَّاسِيُّونَ ثُمَّ الْفَاطِمِيُّونَ ثُمَّ الْعُثْمَانِيُّونَ. وَفِي عَهْدِ مُصْطَفَى كَمَالْ أَتَاتُورْك أَخَذَ الدُّسْتُورُ بِمَفْهُومِهِ الْعَصْرِيِّ يَحِلُّ مَحَلَّ الشَّرْعِ الدِّينِيِّ، وَذَلِكَ بِمُحَاوَلَاتٍ أُورُوبِيَّةٍ دَارَتْ فِي كُلٍّ مِنْ تُرْكِيَا وَمِصْرَ.

3

وَمَهْمَا يَكُنْ مِنْ أَمْرٍ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ - بِسُوَرِهِ وَآيَاتِهِ الْبَيِّنَاتِ - جَاءَ بِلُغَةٍ سِيَاسِيَّةٍ غَيْرِ اللُّغَةِ الْعَادِيَّةِ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا. وَقَدْ تَنَاوَلَ السُّبُلُ بِنَوْعٍ فَرِيدٍ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِسُورَةِ الْمُلْكِ وَآيَةِ الْمُلْكِ فَحَسْبُ، وَإِنَّمَا جَاءَ مَثَلًا بِسُورَةِ الْبَلَدِ، وَسُورَةِ سَبَإٍ، وَسُورَةِ قُرَيْشٍ، وَسُورَةِ الشُّورَى، وَسُورَةِ الْقَلَمِ، ثُمَّ جَاءَ بِسُورَةِ الْمُدَثِّرِ وَالْمُزَمِّلِ. وَقَدْ جَاءَ بِآيَةٍ لَخَّصَ فِيهَا تِلْكَ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الْجَمَاهِيرِ، ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾[الحجرات، 13] . فَالشُّعُوبُ هُمْ: أَهْلُ الْحَضَرِ، وَالْقَبَائِلُ هُمْ أَهْلُ الْبَدْوِ. إِذَنْ لَا بُدَّ لِتَعَارَفُوا ”دَخْ نِيتِنَاجْوِ نُيُوفِ بَيِ نِيِتِكِرْكِ“. وَآيَةٌ أُخْرَى تَضَعُ مَوَازِينَ الْقِسْطِ وَالْحِفْظِ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ، ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾[النور، 61] (ça, ce sont les coalitions) ﴿…أَوْ أَشْتَاتًا﴾[النور، 61] ”وَاوْ كَيْ“ الْأَحْزَابُ السِّيَاسِيَّةُ الْأَخْرَى

4

وَالْإِشَارَةُ هُنَا مُفْهُومُهَا أَنَّ الْمُلْكَ قَدْ لَا يَسْتَقِيمُ بِالْمُشَارِكَةِ بِمَعْنَاهَا الْعَصْرِيِّ، كَمَا لَا يَسْتَقِيمُ الرَّأْيُ بِالتَّفَرُّدِ مَعَ غَضِّ النَّظَرِ عَنِ الْحُرِّيَاتِ الَّتِي لَا قَيْدَ لَهَا ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾[الرحمن، 8] . وَإِنَّهُ كَمَا ذُكَرَتِ الْقِيَامَةُ فِي الْأُخْرَى كَذَلِكَ ذُكِرَتِ الْقِيَامَةُ فِي الْأُولَى. لَكِنَّ الْقِيَامَةَ فِي الْأُولَى تَحْتَاجُ عَاجِلًا وَفِي أَوْقَاتٍ مُنَاسِبَةٍ إِلَى مَنْ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، أَوْ يُحَاسَبُ حِسَابًا عَسِيرًا، وَذَلِكَ نَتِيجَةَ الصَّلَاحِ أَوْ فَسَادَ الْحَاكِمِ أَوِ الْمَحْكُومِ. فَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ لَا بُدَّ سَيَأْتِي كِتَابُهُ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ، ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضُ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾[الأنعام، 129] ”وَلَبُوكْ“ ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾[المؤمنون، 44] . ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حُكْمًا عَادِلًا أَوْ يَكُونَ حُكْمًا فَاسِدًا.

5

فَيَقُولُ الْبَعْضُ مِنْ ذَلِكَ: السِّيَاسَةُ طَبِيعَتُهَا وَحْشِيَّةٌ، لِذَاكَ تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُرَوِّضُهَا، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ رَجُلٍ سِيَاسِيٍّ - أَقُولُ بِصَرَاحَةٍ - لَيْسَ كُلُّ رَجُلٍ سِيَاسِيٍّ ،لَمْ أَقُلْ كُلُّ رَجُلِ سِيَاسَةٍ، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ رَجُلٍ سِيَاسِيٍّ يَصْلُحُ لِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ، ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءُ أَمْوَالَكُمْ﴾[النساء، 5] . وَالْأَمْوَالُ دَاخِلَةٌ فِي مُلْكِ الْجَمَاهِيرِ، نَعَمْ، فِيهَا أَجْرُ الْعَامِلِينَ، لَكِنْ بِشُرُوطٍ مَشْرُوعَةٍ، وَذَلِكَ بِرِعَايَةِ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ وَتَجْرِبَةِ الْأَحْوَالِ.

6

وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَلَّلِينَ وَالْاِجْتَمَاعِيِّينَ إِلَى الْبَحْثِ فِي الْمَوْضُوعِ فَقَالُوا: إِنَّ حَيَاةَ كُلِّ دَوْلَةٍ شَبِيهَةٌ بِحَيَاةِ الْإِنْسَانِ، فَحَيَاةُ الْإِنْسَانِ طُولُهَا أَوْ قَصْرُهَا غَالِبًا مَا يَكُونُ وِفْقَ عَافِيَةِ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ. وَكَمَا يَحْتَاجُ الْعَجُوزُ إِلَى طَبِيبٍ حَاذِقٍ يَصِفُ لَهُ الْأَدْوِيَةُ الْمُنَاسِبَةُ وَذَلِكَ لِطَبِيعَةِ حَالِهِ وَلِتَأْجِيلِ مَوْعِدِ الْمَوْتِ طِبًّا وَوِقَايَةٍ.كَذَلِكَ الدَّوْلَةُ تَحْتَاجُ إِلَى رَجُلٍ سِيَاسَةٍ لَهُ الْخِبْرَةُ وَلَهُ الْأَخْلَاقُ الْكَفِيلَةُ لِمَنْعِ الْفَسَادِ فِيهَا أَوِ انْهِيَارِ قَوَاعِدِهَا حَتَّى سُقُوطَهَا نِهَائِيًّا،﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾[الحجر، 5] ، ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾[فاطر، 16]

7

فِي جَامِعَاتٍ رَمَضَانِيَّةٍ مَضَتْ، ذَكَرْنَا لَكُمْ مَا قَالَهُ الْبَعْضُ: بِأَنَّ الْعَالَمَ الْيَوْمَ هُوَ فِي الْوَاقِعِ مُقَسَّمٌ إِلَى عَالَمَيْنِ: عَالَمٍ صَنَعَنَا، وَعَالَمٍ صَنَعْنَاهُ، لَكِنْ حَتَّى الْعَالَمَ الَّذِي صَنَعْنَاهُ أَصْبَحْنَا الْيَوْمَ مَصْنُوعِينَ لَهُ، فَلَمْ يَعُدِ الْحَدِيثَ إِذَنْ حَدِيثَ الْمَحَلِّي أَوْ الْمُسْتَوْرِدِ، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ هُوَ حَدِيثُ الضَّارِ أَوِ النَّافِعِ، ”خُذْ مَا صَفَا وَدَعْ عَنْكَ مَا كَدَرَ“.

8

فَالْحَقِيقَةُ إِذَنْ هُوَ أَنْ نَعْرِفَ وَأَنْ نَتَبَيَّنَ مَا هُوَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَمَا هُوَ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ. وَمِصْدَاقِيَّةُ هَذِهِ الْفِكْرَةَ تَعُودُ إِلَى مَبْدَئٍ وَاحِدٍ، نَلْبَسُ لِبَاسًا غَيْرَ لِبَاسِنَا، لَكِنْ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَتَفَكَّرَ بِعُقُولٍ غَيْرَ عُقُولِنَا، لِأَنَّهُ مَنْ يَسْبَحْ ضِدَّ التَّيَّارِ فَهَلَاكُهُ قَدْ يَكُونُ نِصْبَ عَيْنَيْهِ مِنْ حَيْثُ يَدْرِي وَلَا يَدْرِي. وَهَذَا مَا يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْقُرْآنِ الْفَرْقُ بَيْنَ مَعْرُوفِ النَّصِّ وَمَعْرُوفِ الْحَالِ، بَيْنَ مُنْكَرِ النَّصِّ وَمُنْكَرِ الْحَالِ. فَيَعُودُ إِلَى مَا قُلْنَا فِي الدَّرْسِ الْأَوَّلِ وَهُوَ التَّمْيِيزُ بِمَا هُوَ حَلَالٌ وَمَا هُوَ حَرَامٌ فِي السِّيَاسَةِ، وَحَتَّى مَا يُسَمُّونَهَا الرِّدَّةِ فِي السِّيَاسَةِ. فَهُنَاكَ لَا شَكَّ أَخْلَاقٌ عَادِيَّةٌ، وَهُنَاكَ أَيْضًا أَخْلَاقٌ نِظَامِيَّةٌ، وَهُنَاكَ أَيْضًا أَخْلَاقٌ مَنْفَعِيَّةٌ. وَلِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ أَوَانُهَا وَرِجَالُهَا وَمَكَانُهَا، وَحَتَّى الصَّدَاقَةُ لَا يَنْبَغِي وَضْعُهَا عَلَى مِيزَانِ الدَّوْلَةِ. ذَلِكَ أَنَّ الصَّدَاقَةَ عَلَاقَةٌ بَيْنَ مُتَسَاوِيَيْنِ وَمُتَعَادِلَيْنِ فِي الْقِيَمِ، فَإِنَّ انْتَفَتِ الْمُسَاوَاةُ كَانَتِ الْعَلَاقَةُ شَيْئًا آخَرَ لَا يَقْبَلُ التَّسَامُحُ مَعَ الدَّوْلَةِ. ”إِنِّي لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَابَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ صُحْبَةٌ وَإِخَاءُ.“

9

وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ مُوسَى حِينَ قَالَ: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي. هَارُونُ أَخِي. اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾[طه، 29-32]، كَانَ آخِرَ قَوْلِهِ : ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا. وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾[طه، 34-35] .

10

فَالْعَلَاقَةُ إِذَنْ مِنْ طَرَفِ الْحَاكِمِ عَلَاقَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، إِذَنْ الْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي يُحَدِّدُ مَعْنَى الطَّرَفِ الْآخَرِ، يَعْنِي مَعَ الطَّرَفِ التَّابِعِ بِكُلِّ صِدْقٍ وَعَدْلٍ. ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾[المائدة، 2]. فَمُهِمَّةُ الْحَاكِمِ أَكْبَرُ مِنَ الْحُكْمِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ ارْتِبَاطٌ إِلَى الشَّعَبِ بِوَاسِطَةِ خُيُوطٍ كَثِيرَةٍ، وَبِهِدَايَةِ سُبُلٍ مُخْتَلِفَةٍ. ﴿يَا بُنَيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾[يوسف، 67] فَنَعَمْ، وَلَكِنْ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ أَمْرٍ ﴿وَآتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾[البقرة، 189] .

11

وَلَا يَنْبَغِي إِذَنْ وَضْعُ الْعَلَاقَاتِ عَلَى فِكْرَةِ مَنْ هُوَ مَعَنَا وَمَنْ هُوَ ضِدَّنَا، أَوْ يَكَادُ يَكُونُ النَّظَرُ إِلَى الْأُمُورِ خَلْفَ نَظَارَاتِ الْمُؤَامِرَةِ ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾[المنافقون، 4] . فَإِنَّ الْاِحْتِكَارَ فِي الْآرَاءِ وَالْمَوَاقِفِ هُوَ مُنْطَلِقُ الْأَزَمَاتِ وَالْعُدْوَانِيَّاتِ. وَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ يُحَذِّرُ الْقُرْآنَ كُلًّا مِنْ أُوْلَئِكَ الْمَذْكُورِينَ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ، الَّذِينَ تَوَلَّوْا نَصِيبَهُمْ مِنْ بَابِ الْمُلْكِيَّةِ، أَوْ مَنْ تَوَلَّوْا نَصِيبَهُمْ مِنْ بَابِ الْمِلْكِيَّةِ، أَوْ مَنْ تَوَلَّوْا نَصِيبَهُمْ مِنْ بَابِ الْمَلَكُوتِيَّةِ، يَقُولُ لِلْجَمِيعِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾[آل عمران، 118]. لِذَلِكَ يُرْوَى أَنَّ الْإِسْكَنْدَرَ الْأَوَّلَ سَأَلَ عُلَمَاءَ بَابَلَ ، أَيُّهُمَا أَكْبَرُ، الشَّجَاعَةُ أَوِ الْعَدْلُ ؟ قَالُوا إِذَا اسْتَعْمَلَ الْعَدْلَ فَلَا حَاجَةَ بَعْدُ إِلَى الشَّجَاعَةَ.

12

وَقَدْ كَتَبَ بَعْضُ عُمَّالِ عُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَشْكُو إِلَيْهِ خَرَابَ مَدِينَةٍ  بِالْيَمَنِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ فِي كِتَابِهِ: ”حَصِّنْ مَدِينَتَكَ بِالْعَدْلِ، وَنَقِّ طُرُقَهَا مِنَ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ، فَإِنَّهُ مَصْلَحُهَا مِنَ الْخَرَابِ“. وَيُرْوَى أَنَّ أَعْرَابِيًّا زَارَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَسَأَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ عَنِ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ لَهُ مُخْبِرًا عَنْهُ: ”تَرَكْتُ الْحَجَّاجَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ وَحْدَهُ“. سِيَّمَا وَنَحْنُ أَدْرَكْنَا عَصْرًا أَصْبَحَتِ الْجَمَاهِيرُ فِيهَا أَسْرَى الْآرَاءِ وَالْأَفْكَارِ، بَلْ أَسْرَى الْمَجَلَّاتِ وَالصُّحُفِ، بَلْ أَسْرَى الْإِذَاعَاتِ وَالتَّلْفَزَاتِ، ”كُنَّكْ“ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾[الحجرات، 6].  وَالْقُرْآنُ كَانَ يَذْكُرُ فَقَطْ فَاسِقًا وَاحِدًا، فَكَيْفَ وَنَحْنُ الْآنَ حَوْلَنَا مِئَاتٍ وَمِئَاتٍ مِنْ فَاسِقِينَ وَظَالِمِينَ وَمُجْرِمِينَ فَلَا يَكْفِي فِينَا الْحَذَرَ مَرَّةً وِإِنَّمَا يَكْفِي فِينَا الْحَذَرَ أَلْفَ مَرَّةً. ”مَا زَالَ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِنْ أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ لَا يَسْمَعُ إِلَّا خَيْرًا، وَكُنْتُ بَصَرَهُ فَلَا يُبْصِرُ إِلَّا خَيْرًا، وَيَدَهُ فَلَا يَبْطِشُ إِلَّا بِالْحَقِّ، كَانَ صُمْتُهُ فِكْرًا ، وَنُطْقُهُ ذِكْرًا، وَنَظَرُهُ عِبْرًا، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَقِيلٌ وَقَالٌ. لِقَاءُ النَّاسِ لَيْسَ يُفِيدُ شَيْئًا سِوَى الْهَذَيَانِ مِنْ قِيلٍ وَقَالٍ  ”تَلِتِيِغَنْ غَرَاوْ مُويْ“:كُلٌّ يَدَّعِي وَصْلًا لِلَيْلَىوَلَيْلَى لَا تَقِرُّ لَهُمْ بِذَاكَا ”كُنَّكْ“:خَلِيلِي قُطَّاعُ الْفَيَافِي إِلَى الْعُلَى كَثِيرٌوَإِنَّ الْوَاصِلِـينَ مِنْهُمْ قَلِيلُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.