جامعة رمضان 2010م – 1431هـ : الدرس الأول
UR 2010 - Cours 1
إِخْوَةَ الْإِيمَانِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ. فِي حِينٍ مِنَ الدَّهْرِ أَتَى عَلَيَّ شَيْءٌ مَذْكُورٌ. فَكُنْتُ أُرَافِقُ تِلَاوَةَ آيِ الذِّكْرِ الْعَظِيمِ -كُنْتُ أُرَافِقُهَا - بِلَحَظَاتِ بَحْثٍ وَتَأَمُّلٍ، فَوَجَدْتُ الْقِصَصَ الْقُرْآنِيَّةَ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ حَيَاةَ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَلَا تَارِيخَ قَرْنٍ مِنَ الْقُرُونِ إِلَّا وَيَضَعُهَا تَحْتَ مِجْهَرِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ - رِوَايَةً وَحِكَايَةً - بِشَارَةً وَإِنْذَارًا أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَهْلَكَ تُبَّعًاوَأَهْلَكَ لُقْمَانَ بْنِ عَادٍ وَعَادِيَاوَأَهْلَكَ ذَا الْقَرْنَيْنِ مِنْ بَعْدِ مُلْـكِهِ وَأَهْلَكَ فِرْعَوْنًا طَغَى وَالنَّجَاشِيَا”كُنَّكْ“أَيْنَ مَنْ سَادُوا وَشَـادُوا وَبَنَوْاهَلَكَ الْكُلُّ فَلَمْ تُغْنِ الْقُلَلُ
لَكِنَّ الرِّوَايَاتِ مِنْ أَصْلِهَا الْقُرْآنِيِّ مَعْنَاهَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْدَاثِ قَدِيمِهَا أَوْ حَدِيثِهَا لَيْسَتْ مِلْكًا لِأَصْحَابِهَا فَحَسْبُ، وَلَيْسَتْ دَرْسًا يَخُصُّ عَصْرًا دُونَ عَصْرٍ، وَإِنَّمَا هِيَ رِوَايَاتٌ وَقِصَصٌ تُخَاطِبُ الْبَشَرِيَّةَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾[طه، 99] ”وَلَبُوكْ“ ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لُأُولِي النُّهَى﴾[طه، 128] .
وَحَوْلَ هَذِهِ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، كُنْتُ أَتَفَكَّرُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ مُخَاطِبًا إِبْلِيسَ اللَّعِينِ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾[الإسراء، 65] . فَيُنَبِّهُ الْغَافِلِينَ وَالشَّاكِّينَ وَالظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السُّوءِ، أَنَّهُ إِمَّا أَحَدُ الْخِيَارَيْنِ: إِمَّا اللهُ وَإِمَّا الطَّاغُوتُ.
وَمَا دَامَ السُّؤَالُ الْأَزَلِيُّ يَتَسَاءَلُ كُلًّا مِنَّا ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾[الأعراف، 172] ، فَالسُّؤَالُ الْأَبَدِيُّ إِذَنْ يَتَسَاءَلُ كُلًّا مِنَّا، وَذَلِكَ تَكْمِلَةً لِلسُّؤَالِ الْأَوَّلِ ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾[غافر، 16]. وَفِي كَلِمَةِ ”الْيَوْمَ“ هَذِهِ، تَوَقَّفْتُ وَقْفَةَ تَأَمُّلٍ فَإِذَا هِيَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
فَتُفْرِضُ عَلَيْنَا - وَلَوْ كُنَّا فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة - تُفْرِضُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَسَاءَلُ فِي كُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ، فَي كُلِّ حَرَكَةٍ أَوْ سَكَنَةٍ، نَتَسَاءَلُ: لِمَنِ الْمُلْكُ ؟ فَعِنْدَئِذٍ وَيَوْمَئِذٍ وَوَقْتَئِذٍ تُجِيبُ سُورَةُ الْمُلْكِ بِكُلِّ صِدْقٍ وَإِخْلَاصٍ. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ. الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبُ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾[الملك، 1-4] .
فَفَهِمْتُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّهَا وُحْدَةٌ إِلَهِيَّةٌ مَلَكُوتِيَّةٌ لَا تَتَجَزَّأُ. فَالْمَوْلَى - سُبْحَانَهُ مِنْ ذَلَكَ - لَهُ الْمُلْكِيَّةُ وَلَهُ الْمِلْكِيَّةُ وَلَهُ الْمَلَكُوتِيَّةُ. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. مَلِكِ النَّاسِ. إِلَهِ النَّاسِ.﴾[الناس، 1-3]. إِذَنْ إِنَّهُ لَيْسَ ثَالِثُ ثَلَاثِةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ وُحْدَةُ الثَّلَاثَةِ فِي الْأَحَدِ الصَّمَدِ، الَّذِي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لُهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾[الإخلاص، 3-4] .
وَأَمَّا آيَةُ الْمُلْكِ فَوُحْدَةٌ مُلْكِيَّةٌ كَوْنِيَّةٌ قَابِلَةٌ لِلتَّحْكِيمِ حِينًا وَقَابِلَةٌ لِلتَّقْسِيمِ حِينًا آخَرَ. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[آل عمران، 26].
فَكَلِمَةُ ”تُؤْتِي الْمُلْكَ“ هُنَا تُشِيرُ إِلَى الْاِسْتِعَارَةِ لِأَنَّهَا إِلَى السَّبَبِيَّةِ أَقْرَبُ. فَالرَّبُّ هُنَا يُؤْتِي وَلَا يُعْطِي. فَنَفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ مَدَى تَعَايُشِ الْأَسْبَابِ وَالْمَقَادِيرِ ”تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ“ بِسَبَبٍ، ”وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ“ بِسَبَبٍ، ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا. فَأَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ…﴾[الكهف، 84-85] وَانْتَهَى.
وَالْأَسْبَابُ لَا شَكَّ مُخْتَلِفَةٌ وَمَتَطَوِّرَةٌ. وَالْكُلُّ يَعُودُ إِلَى أَصْلِهِ، وَهَكَذَا مَالِكُنَا الْمَاضِي هُنَا يَسْتَكْشِفُ خَبَايَا هَذَا السِّرِّ الْمَكْنُونِ، وَالَّذِي كَانَتِ الْحَقِيقَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ مَأْوًى لَهُ فيِ الْغَيْبِ الْإِلَهِيِّ. فِي عَالَمِ الْمُلْكِ وَالْأَرْوَاحُ تَابِعَةٌلِلرُّوحِ وَالْجِسْمِ هَذَا غَايَةُ الْكَرَمِ فَوَجَدْنَا مِنْ هَذَا الْبَيْتِ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ مُحَمَّدًا هَذَا هُوَ رَمْزُ الْوَسَطِيَّةِ بَيْنَ السُّلْطَتَيْنِ: السُّلْطَةُ الزَّمَنِيَّةُ وَالسُّلْطَةُ الْإِيمَانِيَّةُ، هَذِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَتِلْكَ فِي النَّتَائِجِ، تَارَّةً بِوَظِيفَةِ السُّلْطَانِ، وَتَارَّةً أُخْرَى بِمَشِيخَةٍ لَهَا سِيَاسَةُ الْمُلُوكِ.
وَقَدْ وَجَدْنَا قَدِيمًا أَنَّ النَّتَائِجَ انْقَسَمَتْ لَدَى ثَلَاثِ فِئَةٍ مِنَ النَّاسِ: - فِئَةٌ غَلَبَتْ بِإِذْنِ اللهِ بِاسْمِ الْمُلْكِيَّةِ وَعَلَى رَأْسِهَا سُلَيْمَانُ الْحَكِيمُ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾[الحجر، 21] [ص، 35]. وَهَكَذَا تَوَارَثُوهَا جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وِلِكُلِّ قَوْمٍ دَوْلَةٌ وَرِجَالٌ. فَكَانَ النَّبِيُّ سُلَيْمَانُ إِذَنْ يَسْتَمِدُّ حَيَوِيَّتَهُ وَنُفُوذَ مُلْكِهُ مِنْ خَزَائِنِ الْأُمُورِ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾[يوسف، 55] . - وَفِئَةٌ ثَانِيَةٌ غَلَبَتْ بِاسْمِ الْمِلْكِيَّةِ وَعَلَى رَأْسِهَا يُوسُفُ النَّبِيُّ إِذْ قَالَ ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾[القلم، 1-5] . وَقَدْ تَوَارَثَ الْمِلْكِيَّةَ بَعْدَهُ رِجَالُ الثَّرْوَةِ وَالْغِنَى كَمَا تَوَارَثَهَا رِجَالُ الْخَبَرَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْاِقْتِصَادِيَّةِ وَالْإِيكُولُوجِيَّةِ، يَسْتَمِدُّونَ نَشَاطَهُمْ مِنْ خَزَائِنِ هَذِهِ الْأَرْضِ. - فِئَةٌ ثَالِثَةٌ غَلَبَتْ بِاسْمِ الْمَلَكُوتِيَّةِ، وَعَلَى رَأْسِهَا مُحَمَّدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿ن. وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ. مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ. وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.﴾[الأنبياء، 63] . وَهَكَذَا اِسْتَمَدَّتْ هَذِهِ الْفِئَةُ هُدَاهَا وَطَهَارَتَهَا مِنْ خَزَائِنِ الْأَخْلَاقِ ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتَ﴾ .
وَلِكُلِّ مِنْ هَذِهِ الْفِئَاتِ الثَّلَاثَةِ أَوَامِرُ إِلَهِيَّةٌ وَنَوَاهِي تَضَعُ سِيَاسَتَهَا عَلَى مِيزَانِ الْمُحَلَّلَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ. وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾[الرحمن، 8-9] ”لُولُوتَخْ“ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾[النساء، 105] . وَعَلَى هَذِهِ الْآيَةِ اعْتَمَدَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ لِيَضَعُوا مِفَاهِيمَ هَذِهِ الْآيَةَ وَعَدْلَهَا وَنُفُوذَهَا عَلَى أَكْتَافِ الْحَاكِمِينَ لَا عَلَى أَكْتَافِ الْمَحْكُومِينَ. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾[المائدة، 44] ، هَذَا لِلْحُكَّامِ لَا لِلْمَحْكُومِينَ. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[المائدة، 45] ، هَذَا لِلْحُكَّامِ لَا لِلْمَحْكُومِينَ. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[المائدة، 47] ، هَذَا لِلْحُكَّامِ لَا لِلْمَحْكُومِينَ، سِيَّمَا وَالنَّاسُ عَلَى دِينِ مُلُوكِهِمْ.
﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾[الروم، 4] , لَكِنْ لِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ يَقُولُ أَحَدُ الْمُنَافِقِينَ هُنَاكَ:﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾[المنافقون، 8] ، وَهُوَ يْذْكُرُ وَيَقُولُ: ”لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ“ وَلَمْ يَقُلْ ”لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى يَثْرِبَ“. فَمُحَمَّدٌ هُوَ سَمَّى الْبَلَدَ اِسْمَ الْمَدِينَةِ وَهُوَ يَقُولُ:﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾[المنافقون، 8] . لَكِنَّ مُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ قَدْ دَرَسَ مِنَ الْقُرْآنِ أَبْعَادَ النِّزَاعِ وَآفَاقَ الْخَصْمِ وَالْمُعَارَضَةِ، وَهَذَا مِنَ الْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴿مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾[الفرقان، 2] [ص، 69]. وَقَدْ أَخَذَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَفْهُومَ النَّزَاعِ وَالْخُصُومَةِ كُلًّا مِنْ زَاوِيَتِهِ. ذَلِكَ أَنَّ النِّزَاعَ فِي الْعَالَمِ بَدَأَ مُنْذُ الْوَهْلَةِ الْأُولَى مِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى. مِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ بَدَأَ النِّزَاعُ فِي هَذَا الْعَالَمِ، فَالْمُعِزُّ وَالْمُذِلُّ خَصْمٌ، وَالْمُحْيِي وَالْمُمِيتُ خَصْمٌ، وَالْمُعْطِي وَالْمَانِعُ خَصْمٌ، وَالْخَافِضُ وَالرَّافِعُ خَصْمٌ، وَالْقَابِضُ وَالْبَاسِطُ خَصْمٌ. فَأَرَادَ الْمَوْلَى أَنْ لَا يَكُونُوا نِزَاعِيِّينَ بِالصُّورَةِ، وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ الْمَبْدَئِ أَنْ يَكُونُوا مُتَرْجِمِينَ لِلنَّزَاعِ. وَذَلِكَ بِالْعَدْلِ وَالْمِيزَانِ الْإِلَهِيِّ، هَذَا الْإِلَهُ الَّذِي ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ .
فَالْفَارِقُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالرَّبِّ هُوَ أَنَّ اللهَ يَرْفَعُ وَيُخْفِضُ بِالْمَشِيئَةِ لَا بِالْغَضَبِ، وَكَذَلِكَ يُعْطِي الْحَقَّ لِمَنْ يَرَى الْحَقَّ أَهْلًا لَهُ، وَلَوْ كَانَ لِلْأَبْنَاءِ عَلَى حِسَابِ الْآبَاءِ ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾[الأنبياء، 79] . لَكِنْ نَحْنُ لَا يَهُمُّنَا دَاوُودَ وَلَا سُلَيْمَانَ، وَإِنَّما يَهُمُّنَا كَلِمَةُ ”نَا“ ــــ ”فَفَهَّمْنَا“ يَرْجِعُ إِلَى الْإِلَهِ. لِذَلِكَ لَابُدَّ أَنْ نَبْحَثَ بِكُلِّ أَدَبٍ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ.
وَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ ﴿عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾[البقرة، 31] ، فَأَخَذَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعُلْوِيَّةِ مَا يُصْلِحُ بِهَا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ السُّفْلِيَّةُ. وَلَقَدْ قِيلَ لِأَبِي يَزِيدِ الْبَسْطَامِيِّ: ”مَا هُوَ اِسْمُ اللهِ الْأَعْظَمِ ؟“. فَأَجَابَ: ”نَبِّئُونِي عَنْ اِسْمِ اللهِ الْأَصْغَرِ، وَعِنْدَئِذٍ سَأُنَبِّئُكُمْ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ“. وَلَيْسَ هُنَاكَ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ اِسْمٌ أَصْغَرُ. فَكُلُّ اِسْمٍ اِسْمٌ أَعْظَمُ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى.
وَإِذَا كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدِ احْتَجَبَ عَنِ الْأَبْصَارِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ جَعَلَ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، ذَلِكَ أَنَّهُ -مَبْدَئِيًّا- لَا حُكْمَ لِلْخَلِيفَةِ مَعَ وُجُودِ الْمُسْتَخْلَفِ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا فِي الْأَرْضِ وَإِلَهًا فِي السَّمَاءِ، كَمَا لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَكُونَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾[الرحمن، 29] . فَيَقُولُ بِأَبْلَغِ مَا يَكُونُ مِنْ حِكَايَةٍ وَكَأَنَّهُ يُخَاطِبُ أُولَئِكَ الَّذِينَ حُمِّلُوا تِلْكَ الْأَمَانَةَ فَلَمْ يَحْمِلُوهَا، أَوْ وُكِّلُوا تِلْكَ الرَّعِيَّةَ ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾[الحديد، 28] . فَيَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ فِي حَدِيثِهِ الْقُدْسِيِّ وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ: ”يَا ابْنَ آدَمَ لَقَدْ ابْتُلِيتَ بِأَمْرٍ لَوْ حَمَلَتْهُ السَّمَاوَاتُ لَانْفَطَرَتْ، وَلَوْ حَمَلَتْهُ النُّجُومُ لَانْكَدَرَتْ، وَلَوْ حَمَلَتْهُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ لَتَزَلْزَلَتْ وَتَدَكْدَكَتْ. يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَحْمَقُ مِنَ السُّلْطَانِ ؟ أَوْ هُنَاكَ أَجْهَلُ مِمَّنْ عَصَانِي ؟ يَا رَاعِيَ السُّوءِ، دَفَعْتُ إِلَيْكَ غَنَمًا صِحَاحًا سِمَانًا، فَأَكَلْتَ اللَّحْمَ، وَشَرِبْتَ اللَّبَنَ, وَتَدَاوَيْتَ بِالسَّمْنِ، وَلَبِسْتَ الصُّوفَ، ثُمَّ تَرَكْتَهَا عِظَامًا نَخِرَةً، فَلَمْ تُرِدِ الضَّالَ، وَلَمْ تُجْبِرِ الْكَسِيرَ، فَالْيَوْمَ أَنْتَقِمُ لَهَا مِنْكَ“. هَذَا خِطَابٌ رَهِيبٌ لَكِنْ هَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟ ”كُنَّكْ“ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ. إِلَّا مَنْ تَوَلَّى﴾[الغاشية، 21-23] . صَدَقَ اللهُ الْعَظِيمُ.