Markaz App

خطاب مولد النبي 2015م - 1436هـ

Mawlid 2015 - 1436h

1

يَا رَسُولَ اللهِ! لِئِنْ كَانَ مَوْلِدُكَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِ اللهِ، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾[الأحزاب، 62] ، فَإِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لَنَا بَنِي الْبَشَرِ جُزْءٌ مِنْ كُلِّيَّةِ وَاجِبِ الْوُجُودِ، بَلْ إِنَّهُ فَرْضٌ لِهَذَا الْكَوْنِ الَّذِي فِي ضَمَائِرِهِ مَا زَالَ يَخْتَارُ لَكَ الْأُمَّهَاتُ وَالْآبَاءُ. يَا خَيْرَ طِفْلٍ وَمَوْلُودٍ وَمُنْتَخَبٍ فِي الْعَالَمِينَ إِذَا مَا أُحْصِيَ الْبَشَرُ

2

وَإِذَا كَانَ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ يَخْتَارُ مِنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، فَاخْتِيَارُهُ مُمْكِنٌ مُتَحَقِّقٌ يَجْهَلُ الْاِنْتِخَابَ وَالتَّرْشِيحَ. فَاخْتِيَارُ مُحَمَّدٍ إِذَنْ لِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ -هَذِهِ النُّبُوَّةُ الَّتِي لَيْسَ كَمِثْلِهَا شَيْءٌ- نُبُوَّةٌ قَدْ جَاوَزَ حُدُودَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْمُعْتَادَتَيْنِ، حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ يُسْتَفْهَمُ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ أَوْ إِقْرَارٍ كَمَا هُوَ فِي عَهْدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامِ.

3

فَنَعَمْ كَانَ أُولَئِكَ الْمَلَكُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُقَدِّسُونَ لَهُ، لَكِنَّ السَّيِّدَ الرَّسُولَ كَانَ فِي فَجْرِ الْغَيْبِ لَهُ الْإِقَامَةُ الْأُولَى، وَالسُّجُودُ الْأَوَّلُ، وَكَأَنَّهُ أَوَّلُ الْمُسَبِّحِينَ اِبْتِدَاءً مِنْ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْغَيْبِيِّ، إِلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الْبَشَرِيِّ. فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ أَوَّلُ مَنْ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَذِكْرُهُ فِي السَّمَاءِ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾[الشرح، 1-4] . إِذَنْ إِنْسَانٌ يَمْشِي عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ وَذِكْرُهُ فِي السَّمَاءِ.

4

وَهَكَذَا وَقَفَ الْخَلْقُ جَمِيعًا إِنْسًا، وَجِنًّا، يَنْظُرُونَ كَيْفَ يَبْنِي مُحَمَّدٌ قَوَاعِدَ التَّوْحِيدِ وَالْوَحْدَةِ وَالْاِتِّحَادِ. وَهَكَذَا أَيْضًا، وَقَفَ النَّبِيُّونَ وَالْمُرْسَلُونَ يَنْطُرُونَ كَيْفَ وُلِدَ الْهُدَى مَرَّتَيْنِ، وَوُلِدَ الْعِلْمُ مَرَّتَيْنِ، وَوُلِدَ الْعَدْلُ مَرَّتَيْنِ، وَوُلِدَ الْحَقُّ مَرَّتَيْنِ، إِذَنْ ”مَنْ لَمْ يُولَدْ مَرَّتَيْنِ فَلَنْ يَلِجَ مَلَكُوتَ السَّمَاءِ.“

5

يَا رَسُولَ اللهِ! وُلِدْتَ كَمَا وُلِدَ النَّاسُ، وَكَأَنَّكَ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، لَكِنَّهَا مِثْلِيَّةُ التَّشْبِيهِ فَقَطْ لَا مِثْلِيَّةُ التَّنْزِيهِ. ذَلِكَ أَنَّ بَشَرِيَّتَكَ فِي كُلِّ زَمَنٍ وَفِي كُلِّ عَصْرٍ رُوحُ الْبَشَرِيَّاتِ كُلِّهَا، سَوَاءٍ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ، أَوْ فِي عَالَمِ الْمُلْكِ. فَكَانَ حَتْمًا أَنْ تَكُونَ الْأَرْوَاحُ تَابِعَةً لِلرُّوحِ، وَأَنْ تَكُونَ الْأَجْسَامُ تَابِعَةً لِلْجِسْمِ. وَكَيْفَ لَا ؟ وَشَمْسُ نُبُوَّتِكَ كَانَتْ قَبْلَ الْكَوْنِ تَجْرِي فِي مُسْتَقَرٍّ لَهَا، كَمَا كَانَ قَمَرُ رِسَالَتِكَ قَدْ قُدِّرَ لَهُ مَنَازِلَ، ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾[يس،40]. فَلَكٌ دَائِرَتُهُ بِاسْمِ الْبَوَاطِنِ، وَفَلَكٌ دَائِرَتُهُ بِاسْمِ الظَّوَاهِرِ.

6

وَإِذَا كُنْتَ يَا سَيِّدَ الرَّسُولِ، وَأَنْتَ فِي وَاقِعِ هَذِهِ الْأَرْضِ قَدْ شَيَّبَتْكَ هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا، ذَلِكَ بِأَنَّكَ فِي مَرِّ الْعُهُودِ يَتَرَافَقُكَ فِي كُلِّ حِينٍ، -حَتَّى وَفِي بَطْنِ أُمِّكَ- يَتَرَافَقُكَ قَوْلُهُ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾[هود، 112] . وَكُنْتَ تَتَصَرَّفُ مَعَهَا اِبْتِدَاءً مِنْ عَالَمِ الظُّهُورِ. فَلَمْ يَكُنْ جَوَابُكَ جَوَابَ إِنْكَارٍ، وَلَكِنْ جَوَابَ إِقْرَارٍ. لِذَلِكَ شَتَّانَ مَا بَيْنَ بَلَى وَنَعَمْ. ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾[الأعراف، 172] . وَلَكِنَّ الرَّسُولَ مُحَمَّدًا قَالَ: ”إِيـــيْ نَعَمْ“ وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ جَوَابِ إِنْكَارٍ، وَجَوَابِ إِقْرَارٍ.

7

وَهَذَا إِلَى أَنْ جَاءَ إِلَى عَالَمِ الْبُطُونِ يَسْتَقِيمُ كَمَا أُمِرَ تَأَدُّبًا مَعَ اللهِ، وَاحْتِرَامًا لِآمِنَةَ الْأُمِّ. إِنَّهَا مَرَاتِبُ الْوُجُودِ الْحَقِّيَّةِ تَتْبَعُهَا مَرَاتِبُ الْوُجُودِ الْخُلُقِيَّةِ. لِذَا كَانَتْ لَهُ السِّيَادَةُ الْعُظْمَى؛ سِيَادَةُ الذَّاتِ، سِيَادُةُ الصِّفَاتِ، ثُمَّ سِيَادَةُ الْعُلُومِ. وَهَكَذَا أَتَتْهُ الْأَمَانَةُ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْجِبَالِ وَالْأَرْضِ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا. وَلَمَّا قِيلَ لِلسَّمَاوَاتِ وَلِلْأَرْضِ وَالْجِبَالِ لِمَاذَا أَبَيْتُمْ؟ قَالُوا: كَانَ الْخِطَابُ لِلْإِنْسَانِ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾[الأعراف، 172] .

8

لِذَا أَتَتْكَ الْأَمَانَةُ مُنْقَادَةً تُجَرِّرُ أَذْيَالَهَا، وَلَمْ تَكُنْ دَابَّةٌ تَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ، أَوْ أَرْبَعٍ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْأَمَانَةُ ذَاتَ قَوَائِمَ ثَلَاثَةٍ: الْحَقُّ، وَالْعَدْلُ، وَالْمَعْرِفَةُ. فَبِالْحَقِّ كَانَ مُحَمَّدٌ عَيْنَ الْحَقِّ، وَصَاحِبَ الْحَقِّ الرَّبَّانِي، وَطَلْعَةَ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾[الزخرف، 29] .

9

وَبِالْعَدْلِ كَانَ عَيْنَ الرَّحْمَةِ الرَّبَّانِيَّةِ - رَحْمَةٌ حَازَتْ كُلَّ الْمُعْجِزَاتِ بِهِ تَابَ الْإِلَهُ عَلَى أَبِينَا بِهِ ذُو النُّونِ زَايَلَ بَطْنَ نُونِبِهِ بِشْرٌ وَإِحْيَاءٌ لِعِيسَىبِهِ قَالَ الْعَلِي يَا نَارُ كُونِي بِهِ يَعْقُوبُ مُرْتَدٌّ بَصِيرًابِهِ لُوطٌ يُنَجَّى مِنْ قُرُونِبِهِ حَازَ الذَّبِيحُ فِدَاءَ ذَبْحٍبِهِ ذُو الْجُبِّ يَنْجُو مِنْ شُطُونِبِهِ ذُو الْفُلْكِ غِيضَ الْمَاءُ عَنْهُبِهِ بِهِ بِهِ مُوسَى يُنَجَّى مِنْ شُجُونِ بِهِ ذُو الْمُلْكِ مُلِّكَ مَا تَمَنَّى ”كُنَّكْ“بِهِ بِهِ بِهِ نِلْنَا فَنَشْكُرَ كُلَّ دِينِ

10

يَا رَسُولَ اللهِ! فَأَنْتَ خَاتِمٌ لِلنَّبِيِّينَ لَاشَكَّ، لَكِنَّكَ أَوَّلٌ وَآخِرٌ مَعًا، ظِاهِرٌ وَبَاطِنٌ لِمَسِيرَةِ النُّبُوَّاتِ وَالرِّسَالَاتِ كُلِّهَا. فَكُنْتَ مِنْ ذَلِكَ صَاحِبَ الْحَقِّ الرَّبَّانِي. وَالْحَقُّ هُنَا هُوَ الْوَحْيُ. حَيْثُ لَا رُوحُ الْقُدُسُ، وَلَا رُوحُ الْأَمِينِ، بَلِ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ فَقَطْ أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. وَهَذَا فِي الْعَهْدِ الْأَوَّلِ، وَفِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ. وَلَقَدْ صَدَقَ الْقَائِلُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ : ”كُنْتُ نَبِيًّا“ وَلَمْ يَقُلْ كُنْتُ إِنْسَانًا أَوْ بَشَرًا. وَصِيغَةُ الْمَاضِي فِي كَلِمَةِ ”كُنْتُ“، تَتَنَاسَبُ مَعَ صِيغَةِ الْمَاضِي لِكَلِمَةِ ”كُنْتُ كَنْزًا مُخْتَفِيًا لَمْ أُعْرَفْ“. صِيغَتَانِ لِلْمَاضِي يَنْحَصِرُ بَيْنَهُمَا كُلُّ مُعْطَيَاتِ الْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ لِهَذَا الْكَوْنِ.

11

ثُمَّ جَاءَ الْعَهْدُ الثَّانِي حَيْثُ كَانَ الرَّسُولُ فِي هَذَا الْعَهْدِ طَلْعَةَ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَحَقًّا سَيِّدُ الرَّسُولِ ﴿مَا كَذَّبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾[النجم، 11] . وَذَلِكَ بِبَصَرٍ كَانَ مَكْحُولًا بِالْأَنْوَارِ الْقُدُسِيَّةِ. وَحَقًّا رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ، وَذَلِكَ بِجَسَدٍ مُحَاطَةٍ بِأَبْصَارٍ رَحْمَانِيَّةٍ، شَهِدَ مُحَمَّدٌ مِنْ ذَلِكَ شَهَادَةَ الْحَقِّ. فَقَالَ: ”رَأَيْتُ رَبِّي بِعَيْنِي وَقَلْبِي“. وَهَذَا مِمَّا جَعَلَ قُرَّةَ عَيْنِهِ الصَّلَاةَ. وَتَزَوَّدِ التَّقْوَى فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ تَزَوَّدِ.

12

”تِكَتْ“ ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾[الإسراء، 20] . هَذَا الْعَطَاءُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ عَيْنَ الْمَعَارِفِ الْأَقْوَمِ. وَإِذَا كَانَ عَالَمُ الْغَيْبِ ﴿عِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾[الأنعام، 59] ، فَسَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، عِنْدَهُ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَالَّتِي قَدْ كَفَلَهَا عَلَى ابْنِ يَعْقُوبَ. لِذَا كَانَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَفِيظًا، وَعَلِيمًا؛ حَفِيظًا عَلَى الْمَبَادِئِ، وَعَلِيمًا بِالْخَبَرَاتِ.

13

وَلَوْلَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ لَأَصْبَحَ بَنُو آدم نَبَاتًا هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾[نوح، 17] ، فَكَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ رُوحٍ يَتَنَاوَلُ الْأَشْيَاءَ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ. ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾[الحجر، 21] . وَلَكِنْ ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ. أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا. وَحَدَائِقَ غُلْبًا. وَفَاكِهَةً وَأَبًّا.﴾[عبس، 24-31] .

14

لَكِنَّ سَيِّدُنَا مُحَمَّدًا ﷺ، حَيْثُ تَكُونُ هُنَاكَ الْحَدَائِقُ غُلْبًا، فَهُوَ حَدِيقَةُ الْأَنْوَارِ الْغَيْبِيَّةِ الَّتِي مِنْهَا تُجْبَى ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ، الرُّوحِيَّةِ مِنْهَا، وَالْعَقْلِيَّةِ، وَالنَّفْسِيَّةِ، تَعَادُلًا، وَإِدْرَاكًا، وَتَقْدِيرًا. وَفِي بُطُونِ كُلٍّ مِنْهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ﴾[الفتح، 29] .

15

فَسَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ إِذَنْ، هُوَ النُّورُ اللَّامِعُ الَّذِي مُلِئَ بِهِ هَذَا الْكَوْنُ، فَقَالَ قَائِلٌ بِهَذَا ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ. الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾[النبأ، 2-3] : ”إِنَّ تَشْرِيفَ اللهِ الَّذِي شَرَّفَ بِهِ نَبِيَّنَا وَرَسُولَنَا مُحَمَّدًا بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾[الأحزاب، 56] ، أَتَمُّ وَأَجْمَعُ مِنْ تَشْرِيفِ أَبِي الْبَشَرَ وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾[البقرة، 24] . فَفِي هَذَا التَّشْرِيفِ، يَعْنِي تَشْرِيفِ آدَمَ، أَمْرٌ بِدُونِ جَمْعٍ، وَفِي هَذَا التَّشْرِيفِ لِمُحَمَّدٍ أَمْرٌ وَجَمْعٌ مِنَ اللهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. لِذَا بُعِثَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَكَلِمَةُ كَافَّةً هُنَا تَأْخُذُ كُلَّ مَعَانِي ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾[المرسلات، 25] ، الْأَحْيَاءُ فِي ظُهُورِهَا، وَالْأَمْوَاتُ فِي بُطُونِهَا، وَهَكَذَا شَرِيعَةُ الرَّسُولِ صِرَاطُهُ التَّامُّ الْأَسْقَمُ.

16

وَقَدْ أَوْحَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامَ مَا مَعْنَاهُ: ”يَا مُوسَى لَوْلَا مَنْ يَحْمَدُنِي مَا أَنْزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ قَطْرَةَ مَاءٍ، وَلَا أَنْبَتْتُ مِنَ الْأَرْضِ وَرْقَةً خَضْرَاءَ. يَا مُوسَى لَوْلَا مَنْ يَعْبُدُنِي مَا أَمْهَلْتُ عَلَى مَنْ يَعْصِينِي طَرْفَةَ عَيْنٍ. يَا مُوسَى لَوْلَا مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لَسَيَّلْتُ جَهَنَّمَ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا. يَا مُوسَى إِذَا لَقِيتَ الْمَسَاكِينَ فَاسْأَلْهُمْ كَمَا تَسْأَلُ الْأَغْنِيَاءَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَاجْعَلْ كُلَّ شَيْءٍ عَلِمْتَ أَوْ عَمِلْتَ تَحْتَ التُّرَابِ. يَا مُوسَى أَتُحِبُّ أَنْ لَا يَنَالَكَ مِنْ عَطْشِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَبِّ. قَالَ: إِذَنْ فَأَكْثِرْ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى حَبِيبِي مُحَمَّدٍ ”وَاوَاوْ“. يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ أَكُونَ لَكَ أَقْرَبَ مِنْ كَلَامِكَ إَلَى لِسَانِكَ، وَمِنْ وَسَاوِسِ قَلْبِكَ إِلَى قَلْبِكَ، وَمِنْ رُوحِكَ إِلَى جَسَدِكَ، وَمِنْ نُورِ بَصَرِكَ إِلَى عَيْنِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَبِّ، وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ لَهُ الْمَوْلَى: أَكْثِرِ الصَّلَاةَ عَلَى حَبِيبِي مُحَمَّدٍ. يَا مُوسَى، إِنَّ مَحَبَّتِي لِمُحَمَّدٍ اِخْتَرْتُهَا قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَإِنَّهُ خِيرَتِي مِنْ خَلْقِي، وَصَفِيِّي، وَحَبِيبِي.“

17

وَلَقَدْ صَدَقَ اللهُ الْعَظِيمُ، وَبَلَّغَ النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى الْكَرِيمِ، وَنَحْنُ عَلَى مَا قَالَ رَبُّنَا وَمَوْلَانَا مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ